جوبا | بدأت العلاقات بين مصر وجنوب السودان تتعزّز عقب انفصال الأخير عن السودان في التاسع من تموز/ يوليو 2011. إذ كانت مصر من أولى البلدان العربية التي اعترفت باستقلال الجنوب، ودعمت الدولة الوليدة في عدد من المجالات الخدمية والتنموية. لكن العلاقات تطورت كثيراً بعد اشتعال الحرب بين الحكومة والمعارضة عام 2013، حين أعلنت مصر انحيازها إلى جانب الحكومة برئاسة سلفا كير مَيارديت، ومساندتها ليس على المستويين السياسي واللوجستي فحسب، بل أيضاً على مستوى العمل الدبلوماسي، إلى أن تحولا فيما بعد إلى ما يشبه «المحور» في مواجهة التقارب السوداني ــــ الإثيوبي، خاصة بعدما أعلنت الخرطوم دعمها لمشروع سدّ النهضة، كقرار مناهض لما تقول إنه استيلاء المصريين على منطقتي حلايب وشلاتين. وكان ذلك دافعاً للقاهرة لأن تتكتل مع جوبا، التي تتهم السلطات الإثيوبية بإيواء المتمردين وتدريبهم، الذين ينحدر أغلبهم من قبيلة النوير المشتركة بين جنوب السودان وإثيوبيا.

وخلال أقل من سنتين، زار سلفاكير القاهرة مرتين، في سبيل تعزيز العلاقات الثنائية، فيما أسهمت مصر عبر عضويتها في مجلس الأمن الدولي في تعطيل عدد من القرارات الخاصة بفرض عقوبات فردية وجماعية على بعض القادة العسكريين في جنوب السودان. وهي تسعى، حالياً، بحكم صلاتها بموسكو، في دعم روسيّ لجوبا، خاصة بعدما ساءت علاقات الأخيرة بواشنطن، ما يجعلها تفضل التقارب مع روسيا لحماية مصالحها الداخلية في صراعها مع المعارضة المسلحة.
وتجاوز التعاون بين جوبا والقاهرة مرحلة المِنَح والمساعدات الخدمية والتنموية، ليصل إلى مرحلة استضافة مصر اجتماعات لتوحيد فصائل الحزب الحاكم في جنوب السودان. وهي وساطة فشلت فيها دول مثل تنزانيا وجنوب إفريقيا وأوغندا، فيما جاءت المحاولة المصرية في إطار ردّ الجميل لحكومة جوبا، التي أدّت دوراً عبر الرئيس سلفاكير في إعادة مصر إلى عضوية الاتحاد الإفريقي، التي كانت قد فقدتها بسبب الانقلاب الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي ضد الحكومة المنتخبة بقيادة الرئيس الراحل محمد مرسي. وعلى رغم فشل المحاولة، إلا أن القاهرة نالت أجر المجتهد، وعززت من مكانتها لدى جوبا.

تؤدي جوبا والقاهرة دوراً مشتركاً في الخرطوم يدعم توجهات «الثورة المضادة»


ويرى الكاتب والمحلل السياسي، ناصر ماثيو فيليب، في حديث إلى «الأخبار»، أن طبيعة العلاقة التي تجمع القاهرة وجوبا تعتبر أقرب إلى تكتل سياسي منها إلى تحالف، لكونها تقوم على تحقيق مكاسب متبادلة في الوقت الذي توجد فيه العديد من القضايا العالقة بينهما، خاصة قضية اتفاقية مياه النيل التي تحتاج إلى إعادة تفاوض، بعدما أصبح جنوب السودان كياناً جديداً في المنطقة بعد الانفصال. ويرى فيليب أن «تلك العلاقة محكومة بالتحولات السياسية في الإقليم»، فهي «تقارب يقف ضد الدور الإثيوبي، وتُحرّكه عداءات غير معلنة، مثل موضوع سد النهضة بالنسبة إلى مصر، واتهامات جوبا لإثيوبيا التي تدرب قوات المعارضة التابعة لريك مشار، كذلك فإنها تستند إلى الدعم الروسي في مواجهة القرار الأميركي، لكنه تحالف لن يستمر طويلاً، خاصة بعد إطاحة الرئيس عمر البشير». وتؤدي جوبا والقاهرة دوراً مشتركاً في الأزمة السودانية، بمبادرة وساطة بين المجلس العسكري وقوى «الحرية والتغيير»، تدعم توجهات المحور الداعم لما يسمى «الثورة المضادة»، خشية نجاح عملية التغيير وانتقالها إلى بلدان عربية أخرى. لذلك، يقود البلدان تحركات محكمة التنسيق لضمان وجود المجلس العسكري في معادلة السلطة المقبلة، وتقف من خلفهما السعودية والإمارات بالتمويل والدعم السياسي.
من جهته، يرى الصحافي والمحلل السياسي، إبراهام تيلار، أن هناك أسباباً مباشرة وغير مباشرة أبعد من ذلك، تقف وراء التقارب المصري ـــ الجنوب سوداني، تجعل العلاقة ترتقي إلى مستوى «التحالف السياسي والأمني الكامل في القضايا الإقليمية والقاريَّة». ويشير في هذا الإطار، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن أبرز محفزات هذا التحالف التوتر المزمن حول مياه النيل، وأزمة إنشاء السدود مع دول أعلى النهر، وعلى رأسها إثيوبيا، «ما يجعل من جنوب السودان موطئ قدم وحليفاً استراتيجياً وشريكاً استخبارياً تحتاجه القاهرة لخلق حالة من التوازن في المواقف السياسية على مستوى المنطقة». لكن الكاتب والمحلل السياسي في موقع «قورتونغ»، ألبينو أوكينج، يعتقد أن «التحالف الثنائي (هذا) يعتبر تحالفاً مرحلياً تحكمه تطورات الأزمة السياسية التي تواجهها جوبا، وتعززها حالياً التوترات التي تشهدها الخرطوم. فمتى ما زالت تلك الظروف العارضة، فإنه قد يكون عرضة للانهيار لانتفاء الظروف الموضوعية التي قادت إلى التقارب»، مضيفاً أن «جنوب السودان عاجلاً أو آجلاً سيطالب بحقوقه المائية متى ما شهد استقراراً سياسياً يقود إلى انفراج في العلاقات على المستوى الدولي، بعد أن تكون العقوبات والضغوط الدولية قد انتفت بطبيعة الحال».