أخيراً، استجاب المجلس العسكري لضغوط الشارع المصحوبة بحراك دولي دافع في اتجاه استئناف التفاوض، وذلك بناءً على دعوة وسطاء من إثيوبيا والاتحاد الإفريقي إلى مفاوضات مباشرة. دعوةٌ وافق عليها جزء من مكونات تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، مُجدّداً طرح ستة شروط كان وفد التحالف المعارض قد سلّمها للرئيس الإثيوبي، آبي أحمد، في السابع من الشهر الماضي. وتتمثل تلك المكونات بـ«تحالف نداء السودان»، الذي يشمل أحزاباً أبرزها حزب «الأمة القومي» و«الجبهة الثورية» و«المؤتمر السوداني»، في مقابل «قوى الإجماع الوطني»، التي تتكوّن من 17 حزباً معارضاً، أبرزها «الحزب الشيوعي السوداني» وحزب «البعث العربي الاشتراكي» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان». والأخيرة باتت ترفض اعتماد طريق المفاوضات مع «العسكري» لتحقيق انتقال السلطة، في ظلّ مماطلة المجلس في تسليمها، والجرائم التي ارتكبها منذ ما يقارب شهرين.

رئيس حزب «الأمة القومي»، الصادق المهدي، الذي يتزعم «تحالف نداء السودان»، بات ــــ في خروجه المعتاد عن توجهات قوى «إعلان الحرية والتغيير» ــــ يقدم نفسه على أنه شخصية وسطية، وذلك ما اتضح منذ رفضه «المليونية» الأولى التي قدم التحالف على إثرها وثيقة دستورية تبين رؤية الحراك الشعبي للمرحلة الانتقالية، ثم بتصريحات عبر وسائل إعلام سعودية وإماراتية بالتزامن مع زيارات لأعضاء حزبه لأبو ظبي، رفض فيها إقصاء أعضاء «العسكري» من السلطة الانتقالية، باعتباره جزءاً من «الثورة». تصريحات أعقبتها مواقف مساوقة للمجلس في رفض الوساطة الإثيوبية و«المشتركة» بدعوى أن أي وساطة يجب أن تنطلق من الداخل، واقتراحه دمج جميع المبادرات المحلية والخارجية، ورفضه أخيراً أن تكون «مليونية الأحد» المقبل مُوجّهة ضد المجلس، ودعوته إلى أن تقتصر على رفض سياسات البشير في ذكرى انقلابه عام 1989.

تماسك مكونَي «الحرية والتغيير» يعطيها قدرة أكبر على الشدّ والجذب


كل تلك المواقف تمثل، بالنسبة إلى المكونات الأخرى في قوى «الحرية والتغيير»، خيار «الهبوط الناعم»، كما عبّر عنه الناطق باسم «الحزب الشيوعي السوداني»، فتحي الفضل، في مقابلة مع «الأخبار» (راجع عدد 29 حزيران 2019)، والمقصود به بحسبه «جرّ بعض أطراف المعارضة إلى المشاركة في الحكم». ويبدو أن هذه المكونات تستفيد من التصعيد الذي يتبنّاه دعاة «مشروع التغيير الجذري» كما وصفه الفضل، والمتمثلون في «تجمّع المهنيين السودانيين» و«قوى الإجماع الوطني». إذ إن المفاوضات المباشرة، التي دعا إليها الوسطاء أمس، ما كانت لتحصل لولا الضغط الشعبي في «المليونية» الأخيرة (التي رفضها المهدي)، بالإضافة إلى «البرنامج الثوري» الذي أعلنه «تجمع المهنيين» بتظاهرات و«مليونيات» تنتهي بعصيان مدني شامل في الـ13 و الـ14 من الشهر الحالي. وهي خطوات تصعيدية مضادة لتصعيد المجلس السياسي والميداني، أعادت زخم الشارع الذي سعى العسكر للقضاء عليه بمجزرة فضّ الاعتصام، ليفتح المجال أمام مخطط كشف لاحقاً، يتلخص في الاتجاه نحو قوى سياسية وحركات مسلحة وقبائل لتشكيل حكومة مدنية والدعوة إلى انتخابات، وبالتالي فرض مرحلة انتقالية تقصي «الحرية والتغيير» أو تقلّل من تمثيلها المطلوب.
أياً يكن، تصبّ العودة إلى المفاوضات في مصلحة مكونات دون أخرى داخل «الحرية والتغيير»، ولكن أساساً في مصلحة المجلس العسكري الذي دأب على المماطلة، في ظلّ سعيه إلى إقصاء أطراف معينة في التحالف المعارض، وبروز مقترحات من قبيل إقامة «مؤتمر جامع» بمشاركة القوى السياسية الخارجة عن «الحرية والتغيير»، وفق ما دعا إليه مثلاً رئيس «حزب الإصلاح الوطني» (الأقرب إلى العكسر)، علي حمودة. لكن، وإن بدا أن في التحالف المعارض اتجاهين: متشدداً وليّناً، فإن من شأن الحفاظ على تماسك مكوّناته تحت لواء «الحرية والتغيير» أن يمنح قادته قدرة أكبر على المناورة والضغط على المجلس، من طريق الانخراط في المفاوضات المباشرة، وفي الوقت نفسه مواصلة التصعيد في الشارع.
وبعيداً عن تعدد وجهات النظر داخل «الحرية والتغيير»، تبدو العودة إلى المفاوضات هذه المرة، في حسابات المريدين لها، حاسمة. إذ حدد التحالف المعارض سقفاً زمنياً بـ 72 ساعة، على أن يكون التفاوض حول تشكيل «المجلس السيادي» فقط، نقطة الخلاف الأبرز، فيما أشار عضو في لجنة التفاوض إلى أن المجلس العسكري لا يزال «متمسكاً برئاسة دائمة للمجلس السيادي، وإذا وصلنا إلى طريق مسدود سنعلن المواجهة الشاملة لإسقاطه». كذلك، أكد عضو قوى «الحرية والتغيير»، عباس مدني، رفض الرجوع إلى التفاوض في ما جرت تسويته في الجولات الثلاث السابقة، خصوصاً الاتفاق على حصول «الحرية والتغيير» على غالبية التمثيل في «المجلس التشريعي»، وتحديد المرحلة الانتقالية بثلاث سنوات. لكن قبل استئناف المفاوضات بناءً على ما سبق، على المجلس العسكري تسوية «إجراءات بناء الثقة» وفق ما شدد عليه مدني، وأهمها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في الهجمات الدامية على المحتجين، ورفع الحصار وسحب المظاهر العسكرية من المدن، ولا سيما العاصمة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين أضيف إليهم أمس اثنان من قيادات «تجمع المهنيين السودانيين»، فضلاً عن حماية الحريات العامة والإعلام، ورفع الحظر عن خدمة الإنترنت. وعلى رغم أن المجلس لم يستجب بعد لتلك الشروط، إلا أنه أبدى تنازلاً في بعضها أمس، مثل خدمة الإنترنت التي أعلن جهاز الاتصالات والبريد، الخاضع لسلطة العسكر، صدور توجيهات بتفعيلها.