حمص | السير في شوارع حمص خلال شهر رمضان يشي بالكثير من الأمل بعودة الحياة إلى ما كانت عليه سابقاً. يسهل أن تجد شارعاً يسود أعلاه الخراب، فيما عادت بعض محاله التجارية إلى العمل بعد الترميم، بصرف النظر عن قلة عدد زبائنها. وبين من ينتظر تعويضات حكومية، وآخر تكفّل بترميم منزله أو محله على نفقته الخاصة، يبقى من لا يملك مالاً بلا حول أو قوة. ومن عاد إلى منزله ووجده ركاماً يجلس في مأواه المؤقت البائس بانتظار عجلة إعادة الإعمار الشاملة في المدينة.

أسباب كثيرة تقف حائلاً أمام عودة النازحين إلى أحيائهم في حمص، بما لا يشبه حالات العودة السريعة إلى أحياء حمص القديمة كالحميدية ومحيطها، عندما انسجمت تطلعات محافظة حمص مع إرادة الأهالي وسرعة تجاوبهم بالعودة. الدمار الكلي في بعض الشوارع والأحياء أحد أهم أسباب تعثّر العائدين، مع كل ما يترتب عليه من صعوبات وضع مناطق باتت مهجورة من سكانها على أولويات إعادة الخدمات الكاملة. غير أن الملف الأمني حاضر في وجدان الناس، بحسب خصوصية كل منطقة. كل من عاد إلى منزله اجتاز الدراسة الأمنية بسلام. لا يمكن التركيز على هذا الأمر خلال مناقشة ملف العودة مع المسؤولين الحكوميين، إذ إن الحذر الأمني محسوم بعد حرب قاسية شكّلت أحياء المدينة مسرحاً حامياً لمعاركها. غير أن استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، أمر يتطلب جهوداً رسمية تُبذل بشكل واضح في حمص، لغاية تسهيل التسويات الأمنية ومقترحات حلول لملف التخلّف عن الخدمة الإلزامية وتخفيف عقدة الخوف التي جرى تكثيف الحديث عنها في المرحلة الماضية. كما لابد هُنا من ملاحظة تقاطعات بين ما يمنع المواطنين في الخارج من العودة وما يصرف نازحي الداخل عن اجتياز بضعة شوارع للوصول إلى ما كان في الماضي يدعى «بيتاً»؛ فهذه الجدران المتهالكة ما عاد يمكنها أن تشكّل هذا البيت، وعودته إلى حالته السابقة، تتطلب جهوداً إضافية جبّارة من كل المعنيين في البلاد.

في مركز الإيواء: البيت بيتهم!
مسيرة نزوح أبناء حمص بدأت بأكثر من 16 مركز إيواء، خلال معارك أحياء المدينة. تركزت هذه المراكز في مدارس خرجت عن العمل التربوي والتعليمي، وعلى أطراف الأحياء السكنية أو في وسط الأحياء المنكوبة بعد انتهاء معاركها. كل مركز ضم مئات الأفراد ممن لجؤوا إلى رعاية الدولة وحمايتها، إثر اشتعال أحيائهم، فيما وصلت أعداد نازحي بعض المراكز إلى الآلاف، وسط أصعب الظروف المعيشية، رغم استنفار المنظمات والجمعيات الأهلية. وبعدما تكفلت الدولة السورية بهؤلاء طيلة سنوات، تغير واقع الحال اليوم. تقلص عدد مراكز الإيواء إلى ما دون 10 مراكز، إضافة إلى مركز الإيواء في مدينة حسيا، جنوب حمص، والذي يضم نازحي كفريا والفوعة. جولة على المراكز اليوم، تختلف كلياً عن جولات السنوات السابقة. بضع عشرات من الموجودين اليوم كما لو أنهم باقون ليحرسوا ذكريات أيام الخيبة والنزوح. «البعض غادر إلى بيته، رغم عدم اكتمال ترميمه. استبدل جداراً مدمراً بستار قماشي، واستخدم الغرف غير المتضررة للسكن»، يقول أحد رواد المكان البائس. ويضيف: «عاد الكثير من النازحين إلى منازلهم بعد ترميمها. منهم من نال تعويضاً سمح له بالبدء من جديد، بحسب حالة كل منزل».

هذه الجدران المتهالكة ما عاد يمكنها أن تشكّل «بيتاً»


تستهوي مثل هذه الحكايات الحكومة، فتتلقف كل قصة تعبر عن إرادة أهالي حمص للعودة إلى «مواطنة فاعلة»، لتغذّيها وتبني عليها ما يعزز فكرة حضور الدولة لدعم أبنائها وتعويضهم. غير أن بعض النازحين «يقتله تردده»، أو ربما نداءات التشجيع لم تنل منه ما يتوقع المعنيون.
خلود البقاعي، امرأة أربعينية، بقيت في أحد مراكز الإيواء في منطقة بابا عمرو، من غير أن تعود إلى بيتها في باب الدريب، رغم تسهيلات العودة. ترش المياه في ممر المدرسة التي تحجز مع طفليها وابنة شقيقها إحدى غرفها، وتتصرف كما لو أن «البيت بيتها». متى العودة؟ «قريباً». ماذا ينقص بيتك؟ «النوافذ والأبواب... ساعات المياه والكهرباء قيد الإنجاز. يمكنني العودة الآن لو أردت. ولكني أنتظر انتهاء امتحانات الشهادة الإعدادية»، وتشير إلى ابنها الذي تتمنى أن ينجح في امتحانه المنتظر. يبتسم الولد ويواصل مساعدة أمه في سحب المياه لتنظيف ممر المدرسة التي يشغلونها.
يبرز العام الدراسي بين المعوقات الموسمية التي تقف في طريق عودة بعض الأهالي إلى أحيائهم المهجورة، إثر إعادة تأهليها جزئياً. لا أحد يرغب في نقل أبنائه من مدرسة إلى أُخرى خلال شهور الدراسة، بل يفضل الجميع انتظار العطلة الصيفية. ومدارس حي الإنشاءات هي الأقرب إلى بابا عمرو، حيث تقيم خلود وعائلتها، ما يتطلب نقل ابنيها إلى مدارس حي الورشة، القريب من باب الدريب، بعدما جرى تأهيلها لاستقبال الطلاب، فور العودة إلى الحي. تفاجئنا خلود بحديثها عن ابنها الأكبر الموقوف في السجن على خلفية أحداث الوعر، وتقول: «أول ما تهجرنا مضينا إلى الوعر. كان الوضع آمناً في البداية. تورط الولد لاحقاً مع بدء العنف داخل الحي، وحكم عليه بالسجن 6 سنوات. سيخرج قريباً. أتمنى أن نعود جميعنا إلى بيتنا أخيراً».

العودة بين الترهيب والترغيب
من مدينة تدمر التاريخية، مضت فريحة دياب في تغريبتها الثانية نحو أحد مراكز الإيواء في حمص، إثر مقتل زوجها على يد «داعش»، منذ 5 أعوام. عادت في المرة الأولى بعد تحرير الجيش للمدينة، غير أن تكرار الهجوم من قبل عناصر التنظيم سبّب نزوحها ثانية، مع عدد من جيرانها، حاملة أبناءها الخمسة. عاد الناس مؤخراً إلى المدينة، إنما بقيت فريحة مع جيرانها قابعين في ملجئهم الآمن. لم تعد المرأة بعد، رغم الزيارات الحكومية المتكررة إلى تدمر وحالة من الاطمئنان إلى عودة خدماتها ومدارسها ومخبزها الآلي المجهّز بخط إنتاج إضافي، وسط عودة 200 عائلة إلى مدينة السخنة شمالاً، خلال الشهر الفائت. وبوجود أسباب للعودة أو عدمها والتي تختلف تبعاً للظروف الشخصية بين مواطن وآخر، يمكن التساؤل عن دور ملزم بالعودة، من قبل الدولة ممثلة بالمحافظة. لا داعٍ للرد، إذ لا إلزام بالعودة، وسط ما تفتعله جهات عدة بين صفوف اللاجئين في الدول المجاورة لترهيبهم من العودة، عبر الملف الأمني. الأسلوب الرسمي في حمص لاستعادة الغائبين هو الترغيب.