كثر من السوريين ينتظرون على أبواب مدنهم وبلداتهم أوراقاً صغيرة، ممهورة بختم يُسمح بموجبه لحامليها بالدخول والتجوال، (كما في مخيم اليرموك، والقدم). فيما ينتظر آخرون موافقات للعودة إلى بيوتهم (كما في داريا). وبرغم أن «العودة» تعني العيش في ظروف سيئة، فإنها تظل حلماً لأسباب عدة، على رأسها التطلّع إلى سقف مستقر، وشهر لا يبدأ بقرع أصحاب البيوت الأبواب للمطالبة بدفع الإيجار.

تجلس ماجدة (39 سنة) أمام مبنى إنجاز الأوراق الرسميّة في معبر «المصنع» الحدودي، بانتظار انطلاق باصات قافلة العودة إلى سوريا. يختم الضابط اللبناني أوراقها وأوراق أبنائها الثلاثة، بعد أن مهرها بأمر «منع دخول نهائي إلى الأراضي اللبنانية». تنظر السيدة طويلاً خلفها، إلى حيث ودعت زوجها وابنها. تقول: «خرجت من المعضمية عام 2013 إلى لبنان. سألنا كثيراً عن منزلنا، إلى أن أخبرنا أحد الجيران ممن بقوا أن البناء تهدم، ولم يتبق منه سوى ثلاث غرف». وتضيف: «حين بدأ الناس العودة قبل أشهر قررت الرجوع مع أبنائي، لكن زوجي وابني الكبير (19 سنة) لم يعودا معنا». تشرح ماجدة بعض دوافع العودة: «التعليم في البنان بالنسبة لأبنائي بات حلماً، والأوضاع المادية من سيء إلى أسوأ. ارتفعت تكاليف المعيشة، والأمم المتحدة خفضت دعمها لنا».

«أبراج داريّا»!
تتزاحم الاستفسارات والأسئلة على صفحة «فايسبوك» الخاصة بـ«المكتب التنفيذي لبلدية داريا»، خاصة بعد إصدار قوائم العائلات المسموح لها بالدخول. يقول أمين صبورة: «نريد العودة إلى منازلنا بأسرع وقت. تعبنا من الإيجار، ونريد إيصال الماء والكهرباء والهاتف مثلنا مثل أي مكان أخر. يكفينا بيروقراطية». بينما يكتب يحيى السيسي: «هناك 40 ألف عائلة، تستأجر 40 ألف بيت (خارج داريا). أجرة البيت كحد وسط 50 ألف ليرة. أهل داريا يدفعون 2 مليار شهرياً اجرة منازل، كنا عمّرنا داريا أبراج». يقول «رئيس المكتب التنفيذي لداريا» مروان عبيد، في حديث إلى «الأخبار»: «قبل تسعة أشهر تقريباً، بدأت بلدية داريا استقبال طلبات العودة. لدينا حالياً 15 ألف طلب للدخول، تمت الموافقة (الأمنية) على 7 آلاف طلب». ويضيف: «تحتاج الموافقات ما بين الشهرين إلى أربعة أشهر للصدور، ومن يحظَ بالموافقة ننشر اسمه على صفحة المكتب».
لا يعني ورود الاسم في القوائم أن صاحبه بات قادراً على الدخول والخروج كما يشاء، بل ثمة حاجة إلى تنظيم بطاقة خاصة. يُقدم الراغب في الحصول على البطاقة صورة هويته، ودفتر عائلته إلى «البلدية»، تحيله الأخيرة إلى «المحافظة»، التي ترسلها إلى «مكتب الأمن القومي» لإجراء «الدراسات الأمنية اللازمة». تستغرق هذه الإجراءات قُرابة 5 أشهر، وتخول البطاقات حامليها الدخول والخروج من دون حاجة إلى «تفييش». يقول عبيد: «لم يتبقَّ أي مسلح في داريا. لا نعلم لماذا لا يتم السماح بعودة جماعية، العائدون فعليّاً هم مائة نسمة فقط، من أصل السبعة آلاف الذين سمح لهم بالعودة». ويضيف: «هذا رقم قليل جداً، كل يوم نتلقى مئات الاتصالات حول الموافقات الأمنية. حتى اليوم لم يُفتح سوى مدخل واحد من مداخل داريا، صدرت الموافقة أخيراً لفتح مدخل جديد، ونعمل على ذلك بإشراف المحافظة». يؤكد عبيد أن «هناك ألفي عائلة ترغب في العودة فعلاً، لكن الظروف من قبل لم تكن مساعدة. المنازل تحتاج ترميماً، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من المدارس غير مؤهلة، إلى جانب عدم تأمين الكهرباء والماء بشكل تام بعد».

تجاوز عدد العائدين عبر «معبر نصيب» ستة عشر ألف شخصاً


الحياة «مستمرة» في دوما
يُخرج مازن دياب (52 سنة) خضاره باكراً من مدينة دوما باتجاه العاصمة دمشق، في شكل دوري. يقول: «غادرت دوما مع دخول الجيش، بقيت خمسة أشهر في مركز حرجلة، ثم تمكنت من العودة إلى منزلنا». يشرح الرجل بعض معوقات العودة، بالقول: «لم يتم تنظيف دوما بالكامل بعد (من الأنقاض). عاد عدد كبير من العائلات، لكن كثيراً من الخدمات لا تزال ناقصة». ويضيف: «فقدنا الكثير من الشباب الذين كانوا يعملون بالأرض (الزراعة)، وهي اليوم بحاجة لمن يستثمرها. لم يكن مسموحاً لنا من قبل إدخال معدات لاستصلاح الأراضي، لكن بعد مطالبات من الأهالي والمزارعين، تم السماح لنا بإدخال المعدات، واستخدام آليات كبيرة لنقل مواسمنا إلى الأسواق».

مصالحات ناقصة
تؤكد عضو «هيئة التنسيق لعودة المهجرين السوريين» يانا خضور أن «جهود الحكومة السورية ليست جديدة في ما يخص ملف عودة المهجرين». تقول خضور لـ«الأخبار» إن الحكومة «وضعت منذ سنوات البرامج الوطنية والترتيبات الملائمة لذلك، وبالتنسيق والتعاون بين عدد من الوزارات السورية». وتضيف «أي عملية مصالحة لا تكتمل إلا بعودة المهجرين». وعن عمل الهيئة التنسيقية المشتركة (السورية ــ الروسية) تقول خضور إن «أبرز مهام الهيئة، التنسيق بين جميع الجهات المعنية (العربية والدولية)، بهدف تأمين الظروف الملائمة لتسهيل عودة السوريين. تؤكد خضور أن «هذا الملف الوطني الهام من أولويات عمل الحكومة السورية. والأبواب مفتوحة أمام الجميع للعودة الآمنة والجميع تحت سقف القانون وكرامتهم محفوظة». وتضيف «نرى أن الاستمرار بإصدار مراسيم العفو والقرارات الخاصة بالخدمة الإلزامية، إلى جانب العمل على عودة عجلة الحياة الاقتصادية إلى المناطق المحررة، سيؤدي إلى تعزيز الرغبة في العودة بشكل أكبر». تؤكد خضور أن «الكثير من الأطراف الدولية تحاول عرقلة الجهود المبذولة لتسهيل العودة الآمنة للمهجرين».

نازحو الداخل يتناقصون
في منتصف تموز من العام الفائت، أعلنت وزارة الدفاع الروسية إنشاء مركز خاص في سوريا، لاستقبال وتوزيع وإيواء النازحين واللاجئين السوريين. قالت الوزارة وقتها إن «مهام هذا المركز هي مراقبة إعادة جميع النازحين، واللاجئين السوريين من الدول الأجنبية إلى مواقع إقامتهم الدائمة، وتنظيم وصول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الأساسية ومواد البناء والاحتياجات المادية الضرورية، بما في ذلك من الدول الأجنبية، إلى سوريا، وتسليمها للسكان، ومساعدة السلطات السورية في إحياء نظام الرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى، وحل القضايا الأخرى المتعلقة بمساعدة عودة اللاجئين وضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية». بحسب أرقام «وزارة الإدارة المحلية» السورية، لامس عدد المهجرين داخلياً عام 2018 حاجز الثلاثة ملايين (2,919,308) بمعدل تناقص 35% عما كان عليه في العام 2017. كما بلغ عدد العائدين داخلياً إلى المحافظات 4,189,416 شخصاً. وسجلت حلب أعلى نسب العودة، إذ عاد إليها 1,200,000 شخص. (نسبة 28% من العائدين). تلتها محافظة ريف دمشق التي عاد إليها 856.145 شخصا، وسُجلت نسبة العائدين الأكبر من خارج البلاد لمصلحة لبنان، حيث لا يزال تنظيم قوافل العائدين مستمراً حتى الآن. أما معبر «نصيب» (بين سوريا والأردن) فقد شهد تحسناً في حركة عودة اللاجئين في الأشهر الأخيرة، وتجاوز عدد العائدين عبره ستة عشر ألف شخصاً.