مثلما هو الحال في الكثير من الملفات على مستوى العالم، يظهر تخبّط السياسات التي تنتهجها واشنطن في ما يخصّ الملف السوري. وعلى رغم مرورها بالعديد من التقلبات، يبدو أن السياسة الأميركية الحالية قد استقرت على مرتكزات أساسية ثلاثة: منع استكمال سيطرة الجيش على كل الأراضي السورية، عزل سوريا وخنقها عبر العقوبات، بالإضافة إلى الضغط عليها من خلال ملف النازحين ومنع عودتهم إلى بلادهم.

قبل أيام قليلة، حلّت في لبنان مجموعة من الباحثين الأميركيين، الذين ينضوون في إطار «مجموعة دراسة سوريا» (SSG ـــ Syria Study Group). التقت المجموعة رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، بالإضافة إلى قائد الجيش والمدير العام للأمن العام، واستعرضت معهم الأوضاع في سوريا، واستمعت منهم إلى رؤية لبنان الرسمي للأزمة وتداعياتها. لقاءات تأتي في سياق عمل المجموعة، التي أُنشئت بموجب تشريع من «الكونغرس» الأميركي الذي يموّلها ويعيّن أعضاءها وتعمل لصالحه، ومهمتها ـــ بحسب ما تعرّف عن نفسها ـــ إعداد مجموعة من التوصيات في شأن الاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية للولايات المتحدة في ما يتعلق بـ«النزاع» في سوريا. كذلك فإنها تقوم بمراجعة الأهداف الحالية والنهائية للولايات المتحدة في هذا البلد، ويشمل ذلك إجراء تقييم شامل للوضع الحالي، وتأثيره بالدول المجاورة، والتهديدات الإقليمية والجيوسياسية الناتجة منه. كلّه في تقارير دورية تقدمها إلى «الكونغرس»، فضلاً عن تقرير نهائي ستقدمه في أيلول/ سبتمبر المقبل. وعلى رغم أن هناك من يعتقد أن مثل هذه المجموعات لا تتجاوز كونها مجموعات ضغط (لوبيات) مهمّتها تسويق السياسات المقررة مسبقاً في البيت الأبيض، ومنحها طابعاً منهجياً وعلمياً، إلا أنه يمكن الاعتماد على إصداراتها وتقاريرها في محاولة فهم السياسة الأميركية، سواء كانت مقررة مسبقاً أو لا، في المرحلة المقبلة في سوريا.

تقييم المجموعة
في الأول من أيار الماضي، سُلّم تقرير أعدّته المجموعة لأعضاء في «الكونغرس» للاطلاع عليه. يؤكد التقرير، الذي نشرته في وقت سابق الصحيفة الأميركية «بوليتيكو»، أن العقوبات الأميركية على إيران «ليست كافية لإقناعها بإزالة وجودها العسكري في سوريا». ويحذر من أنه على الرغم من أن الإجراءات الإسرائيلية قد أبطأت تقدم إيران في سوريا، إلا أن «المواجهة الإسرائيلية ــــ الإيرانية» تظل احتمالاً حاضراً. ويشير أيضاً إلى أن «إيران ما زالت مستمرة في استراتيجيتها المتمثلة بترسيخ نفسها في سوريا»، مضيفاً أن طهران تواصل نقل أسلحة متطورة إلى سوريا «بهدف تعزيز قدراتها على تهديد إسرائيل».

تريد الولايات المتحدة من سوريا منع إيران من إقامة وجود عسكري طويل على أراضيها


أما بالنسبة إلى روسيا، فيؤكد التقرير أن الصراع في سوريا «عزّز المكانة الروسية في المنطقة»، ما يشكل تحدياً طويل الأمد للولايات المتحدة. كذلك فإن النجاح الروسي الملحوظ في سوريا شجّع ـــ بحسب التقرير ـــ «روسيا على السعي لتقويض النفوذ الأميركي في أجزاء أخرى من المنطقة». ويلفت إلى أن إيران وروسيا «شريكان فعّالان لبعضهما، وللنظام»، لكنه يقول إن هناك احتكاكات بين الأطراف الثلاثة، وربما «تختلف أهدافهم على المدى البعيد». وفي سياق متصل، يقرّ بأن الثُّغَر في السياسة الأميركية تجاه الأزمة في سوريا «عززت المكانة الروسية»، وساعدت في خلق مشاكل مع تركيا تسهم في «تآكل حلف الناتو»، على حد تعبير التقرير.

التوصيات الأساسية
على صعيد التوصيات، وهي الأهم، ترى المجموعة أن على الولايات المتحدة أن تتمسك بسياستها «لعزل نظام الأسد» بطرق عدة، منها «تثبيط الحكومات العربية الأخرى» عن التعامل مع الدولة السورية. وتشدد أيضاً على ضرورة «حجب تمويل إعادة الإعمار عن المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد، لكن في الوقت نفسه زيادة موارد مماثلة للمناطق التي استردّتها الولايات المتحدة وشركاؤها (قسد) من داعش». إلى جانب ذلك، يحث التقرير الولايات المتحدة على «قبول المزيد من اللاجئين السوريين»، وإرسال «إشارة مهمة (إيجابية) إلى كل من الحلفاء الأوروبيين والدول المضيفة في الإقليم»، التي يوجد فيها عدد كبير من اللاجئين السوريين. ويلفت إلى أهمية الإبقاء على الوجود العسكري الأميركي «الفاعل» في سوريا، واستمرار التعاون مع المتعاونين المحليين (قسد)، في إطار الجهود الرامية إلى منع الدولة السورية من استعادة السيطرة على أراضيها كافة.
وفي وقت سابق من شهر أيار الفائت، وتحديداً في الـ22 منه، حضر السفير الأميركي الأسبق في العراق، جيمس جيفري، الذي عُيِّن مستشاراً خاصاً لوزير الخارجية، مايك بومبيو، لـ«شؤون التسوية في سوريا»، إلى مبنى «الكونغرس» لحضور جلسة استماع علنية أمام لجنة الشؤون الخارجية في «الكونغرس» (HFAC)، بشأن سياسة إدارة ترامب في سوريا. وبعدما عرض جيفري محددات هذه السياسة، سُئل عن موقف الإدارة تجاه سوريا التي لا يزال يرأسها بشار الأسد، فعرض جيفري ستة معايير يجب على الدولة السورية ـــ على حدّ زعمه ـــ الوفاء بها إذا كانت تريد «إعادة دمجها في المجتمع الدولي»، وهي على النحو الآتي:
1) إنهاء دعمها للجماعات الإرهابية (حركات المقاومة في المنطقة)،
2) وضع حدّ لاستخدام أسلحة الدمار الشامل،
3) منع إيران من إقامة وجود عسكري طويل على الأراضي السورية ذات السيادة،
4) الامتناع عن تهديد جيرانها (إسرائيل)،
5) مساءلة المسؤولين من جميع الرتب عن الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية،
6) السماح لأكثر من 12 مليون لاجئ ومشرد داخلياً بالعودة إلى ديارهم بسلام وأمان،
وفي النهاية، لخّص جيفري الموقف الأميركي بالقول إنه إذا لم يُوفَ بهذه الشروط، فلن تظل سوريا «منبوذة على الساحة الدولية فحسب، بل ستحشد واشنطن المجتمع الدولي لفرض ضغوط اقتصادية ودبلوماسية إضافية» عليها. خلاصة تتقاطع مع التقرير الذي قدمته «مجموعة دراسة سوريا» إلى «الكونغرس».