بعدما كانت ملابسات جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي محصورة في ملف وضعته مديرة «الاستخبارات المركزية الأميركية» (سي آي أيه)، جينا هاسبل، على طاولة الرئيس دونالد ترامب، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، باتت أمس، بعد كشف تقرير مقررة الأمم المتحدة أغنيس كالامارد، الذي خلص إلى أن الجريمة كانت متعمدة ومدبرة، على طاولة العالم أجمع، ما يزيد احتمالات إجراء تحقيق دولي بمجرد طلب رسمي من دولة عضو في الأمم المتحدة.

بعيداً عن الموقف الدولي الذي لم يتخطّ حدود التصريحات بعد، تعيد التفاصيل المذكورة في التقرير إلى الأذهان ما حدث في 2 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، لكن هذه المرة ليس بتسريبات إعلامية ظلت تتأتى على مدى أشهر، بل بتقرير أممي يحمل دلائل على قتل الصحافي وتجزئة جسده بدم بارد، الأمر الذي نفته الرياض على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية، عادل الجبير، قائلة إنه لا يحمل أي جديد، وواصفة إياه بأنه «يتضمن تناقضات واضحة وادعاءات لا أساس لها».
«هل وصل خروف العيد؟»، سأل مستشار ولي العهد الذي كان يرافقه في الزيارات الخارجية، الضابط في المخابرات ماهر مطرب قبل دقيقتين من دخول خاشقجي المبنى، حيث اصطحب إلى مكتب القنصل العام في الطبقة الثانية، وهناك التقى مع المطرب الذي عرفه عندما كانا يعملان معاً في السفارة السعودية لدى لندن قبل سنوات. طلب المطرب من خاشقجي أن يبعث إلى ابنه رسالة نصية على «الموبايل»، لكن خاشقجي رفض قائلاً: «ما الذي أقوله له؟ أراك قريباً؟ لا أستطيع أن أقول إنني مخطوف». جاء رد مطرب: «اختصر... اخلع معطفك»، ليردّ خاشقجي: «كيف يمكن أن يحدث هذا في سفارة؟ لن أكتب أي شيء». لكن مطرب أصرّ قائلاً: «اكتبها يا سيد جمال. أسرع. ساعدنا حتى نستطيع مساعدتك، لأننا سنعود بك إلى السعودية في نهاية الأمر، وإذا لم تساعدنا، فأنت تعرف ما سيحدث في النهاية. لننهِ المسألة على خير».
يقول التقرير إن بقية التسجيلات تحتوي على أصوات حركة وأصوات لاهثة بشكل كبير، وصوت أغطية بلاستيكية يجري لفها، ليتابع شارحاً تفاصيل جديدة تقشعر لها الأبدان للتخلص من الجثة بعد القتل: «هل من الممكن وضع‭‭‭ ‬‬‬الجذع في حقيبة؟»، يسأل مطرب، فيردّ عليه صلاح الطبيقي، الطبيب الشرعي في وزارة الداخلية المتهم بتقطيع الجثة، قائلاً: «لا. إنه ثقيل جداً»، قبل أن يعبّر عن أمله في أن تكون مهمته «سهلة»، شارحاً: «سيتم بتر الأطراف. هذه ليست مشكلة. الجثة ثقيلة. هذه أول مرة أقوم بالتقطيع على الأرض. إذا أخذنا أكياساً بلاستيكية وقطعناها (الجثة) إلى أجزاء سينتهي الأمر. سنلف كل جزء منها».

تلقى القحطاني 11 رسالة من ابن سلمان قبل اغتيال خاشقجي وأثناءه وبعده


قبل اغتيال خاشقجي وأثناءه وبعده، تلقى مستشار ولي العهد، سعود القحطاني، 11 رسالة من ابن سلمان، كما سربت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن تقرير «سي آي إيه»، ما يؤكد ضلوعه في الجريمة. وهو ما اقتنع به أعضاء في الكونغرس بعد إدلاء هاسبل بشهادتها أمام مجلس الشيوخ في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حين تعالت أصوات أعضاء للمطالبة بإدانة السعودية، وبدأ أعضاء جمهوريون كانوا داعمين لترامب التشديد على أنه يجب التمييز بين السعودية كحليف استراتيجي للولايات المتحدة، وبين ابن سلمان. ويوم أمس، قالت كالامار بوضوح: «أظهر هذا التحقيق بشأن حقوق الإنسان أن هناك أدلة كافية موثوق بها تتعلق بمسؤولية ولي العهد، ما يستلزم المزيد من التحقيق».
لكن يبدو أن التفاصيل التي باتت واضحة للعيان، سواء من تقريرَي «الاستخبارات الأميركية» والأمم المتحدة أو التسريبات الإعلامية، لن تشكل دافعاً لمحاكمة الرياض ومساءلة ابن سلمان بقدر ما ستترك تأثيرات إضافية في صورة «رجل الإصلاحات» كما روِّج له في الإعلام الغربي، ومن ثم تلحق ضرراً بطموحاته الاقتصادية وتجعله في عزلة سياسية. فما يجري في أروقة الدول الداعمة للرياض لخّصه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد شهر على الجريمة، بأن «هناك محاولة لحماية شخص ما في حادث مقتل خاشقجي»، في إشارة إلى ابن سلمان.
ثمة أسباب عدة تجعل إدارة ترامب تتغاضى عن الجريمة، من بينها تلقي الرئيس الأميركي ومستشاره جاريد كوشنر أموالاً مشبوهة من مصادر في الرياض. والثلاثاء الماضي، كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن شركة «كادر» (Cadre) العقارية، التي يشترك في ملكيتها كوشنر، حصلت على تمويل بـ90 مليون دولار، قسم منها تدفق من السعودية ومن مستثمرين آخرين، عبر ذراع استثمارية تابعة لشركة «جولدمان ساكس» في جزر كايمان التي تعتبر ملاذاً ضريبياً يضمن السرية للشركات. يضاف إلى ذلك خفوت ضغوط الكونغرس على إدارة ترامب، في ضوء تطورات دولية وإقليمية تزيح خاشقجي من قائمة أولويات الهيئة التشريعية الأميركية، ولا سيما التصعيد مع إيران. كذلك فإن إدارة ترامب ترفض أي تغيير في هرم السلطة في المملكة في هذه المرحلة الحساسة، في ظلّ مشاريع عدة مرتبطة بولي العهد، على رأسها «صفقة القرن».
مقابل الموقف الأميركي المدافع عن وليّ العهد، قد تكون أمام الدول الأعضاء في مجلس الأمن مساحة للتحرك للضغط على واشنطن والرياض عبر قضية خاشقجي. صحيح أن الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، ليست لديه «السلطة أو الصلاحية» لإطلاق تحقيق جنائي في القضية، كما أكد أمس خلال مؤتمر للمتحدث باسمه ستيفان دوجاريك، لكن ذلك يمكن أن يتحقق في حال طلبته دولة عضو في الأمم، أو بقرار يعتمده مجلس الأمن، مع أن كالامارد قالت في تقريرها إن «الأمين العام لا يحتاج إلى طلب رسمي من دولة عضو من أجل إطلاق تحقيق في الجريمة». وحول أسباب عدم تفعيل الأمين العام المادة 99 من الميثاق، التي تعطيه الحق في عرض الموضوع على مجلس الأمن لاستصدار قرار بإطلاق تحقيق دولي، أجاب دوجاريك بأنها «مسألة تعود إلى الدول الأعضاء في المجلس».