يسعى المجلس العسكري إلى إنهاء الوساطة الإثيوبية بإلغاء جميع الاتفاقات السابقة في جولات المفاوضات الثلاث الماضية، ملمّحاً إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة بـ«تفويض شعبي» اختصره «حميدتي» بتجمع شعبي أول من أمس، متجاهلاً مسيرات الحراك الشعبي، فيما تحتفظ قوى «الحرية والتغيير» بخيارات عديدة، تبدأ بعودة التظاهرات ولا تنتهي بعودة العصيان.

يستغلّ «المجلس العسكري» بطء مسار الوساطة الأفريقية المدعومة دولياً، والتي يقودها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، للعودة إلى طاولة المفاوضات مع قوى «الحرية والتغيير»، لتدعيم سلطته ووقف تبعات مجزرة فضّ الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع، والتي راح ضحيتها، والحملة التي تلتها حتى الآن، 128 قتيلاً، بحسب ما أعلنت «لجنة أطباء السودان» أمس. ويبدو أن العسكر، في الوقت بدل الضائع، يسلك عدة اتجاهات تصبّ جميعها في فرض مرحلة انتقالية من قِبَله، وبالتالي إنهاء التفاوض ومسار الوساطة. وقد عبّر عن ذلك نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، المُلقب بـ«حميدتي»، في خطابين أمس وأول من أمس، يتلخصان في ما يلي:
أولاً، إلغاء الاتفاقات التي توصل إليها الطرفان في الجولة الثانية من المفاوضات بقوله إن «مشكلتنا في التفاوض هي تشكيل مجلس تشريعي غير منتخب يريد استبعاد المنظومة العسكرية»، بعدما كان الاتفاق قد حدّد هيكلية المجلس بـ300 عضو، 67% بينهم يختارهم تحالف قوى «الحرية والتغيير»، على أن تذهب بقية المقاعد إلى ممثلين لقوى سياسية خارج هذا التحالف. ويشي ذلك بأن الاتفاق على مدة المرحلة الانتقالية (ثلاث سنوات) بات في مهبّ الريح أيضاً، وبالتالي نية العسكر تصفير المفاوضات المعلقة على ملفَّي «المجلس السيادي» الذي يمثل رأس الدولة، ومجلس الوزراء، في حين أكد قيادي في قوى «الحرية والتغيير» أنهم لن يتراجعوا عن الاتفاقات السابقة «شاء من شاء وأبى من أبى».

يبدو «العسكري» غير جاد في تحقيق أيّ من شروط قادة الحراك

a
ثانياً، التلميح بالعودة إلى فكرة الانتخابات المبكرة التي سبق أن تحدث عنها «حميدتي» نهاية الشهر الماضي، محدداً إياها بفترة لا تتجاوز تسعة أشهر، حين أكد أنه لن يسلّم السلطة «إلا لحكومة منتخبة من الشعب»، إذ أعلن، أمس، أن «المجلس يسعى إلى إجراء انتخابات نزيهة»، وأنه «موافق على حكومة تكنوقراط»، بحجة أن البلد «لا يتحمّل فراغاً»، وأن «الشعب عانى من الفساد والضائقة المعيشية». وهو ما جدد تأكيده عضو المجلس، ياسر العطا، بالقول إن المجلس عازمٌ على «تشكيل حكومة بغض النظر عن شكل الاتفاق».
ثالثاً، يسعى «العسكري» إلى سحب بساط المشروعية الشعبية من قوى «الحرية والتغيير»، باعتباره أن «لا تفويض بالسلطة لأحد سوى من الشعب»، وهو أمر ادّعى «حميدتي» أن المجلس حقّقه، في خطاب خلال تجمع شعبي في منطقة قري شمالي الخرطوم، أول من أمس، بالقول إن «هذا الحشد الجماهيري بمثابة تفويض شعبي»، معتبراً أنه «ليس من حق أي جهة أن تحكم السودان إلا بموجب تفويض». وفي هذا الإطار، اعتبر قيادي في قوى «الحرية والتغيير» أن الحديث عن «التفويض الشعبي» تلميح إلى إمكانية تأليف حكومة من دون مشاركة التحالف، مشيراً إلى أن ذلك «سيثير خطوات تصعيدية من قِبَل الحراك»، من سبيل «إضراب عام» و«مظاهرات جديدة ووقفات احتجاجية»، وهو ما بدأ بالفعل أمس، بتظاهرات ليلية في العاصمة تطالب بسلطة مدنية، نُظمت في أحياء الصحافة غرب الخرطوم، وود نوباوي في أم درمان، وشارك فيها المئات.
رابعاً، يسعى «العسكري» إلى إدخال قوى سياسية جديدة إلى المشهد لضرب «الثنائية» القائمة بينه وبين قادة الحراك، من ضمنها تلك التي كانت مشاركة في النظام السابق، إذ دعا ما وصفه بـ«الأحزاب العريقة» إلى «أن تَظْهَر وتتحمّل مسؤوليتها»، قائلاً إن «رسالتنا هي جمع الشمل ومواجهة الجهوية والعنصرية». وهي خطوة سبق أن حاول العسكر الإقدام عليها في الجولة الأولى من المفاوضات، حين أعلن تسلمه أكثر من مئة رؤية للمرحلة الانتقالية من قوى سياسية غير «الحرية والتغيير»، لكن الأخيرة أنهت مساعيه بمسيرة مليونية اعترف بعدها بتمثيلها الحراك من خلال اتفاق على نسبة تمثيل أعلى للتحالف المعارض في «المجلس التشريعي» (البرلمان المؤقت).
خامساً، طي صفحة مجزرة فض الاعتصام التي رفض المجلس تحمّل وزرها، تارة من خلال تقديم «ضباط برتب مختلفة» أكباش فداء، بعدما اتهمتهم لجنة التحقيق العسكرية (مؤلفة من قبل المجلس ولا تحظى بثقة قادة الحراك ولا المجتمع الدولي) بأنهم «دخلوا مقرّ الاعتصام من دون تعليمات»، وتارة أخرى من خلال الزعم أن «فضّ الاعتصام فخّ نُصب لقوات الدعم السريع» كما قال «حميدتي» أمس، في حين سعى المجلس إلى توريط جهاز القضاء بالجريمة، من خلال الادعاء أنه حصل على مشورة قانونية من رئيس القضاء والنائب العام. وهو ما نفاه الأخيران في بيانَيْن أول من أمس، أوضحا فيه أن المجلس دعا رئيس الجهاز، يحيى الطيب أبو شورة، إلى اجتماع أبلغه فيه أنه بصدد إخلاء منطقة كولومبيا لدواعٍ أمنية، فردّ أبو شورة بأن السلطة القضائية غير مختصة بإجراءات كهذه. وبذلك، يتملص العسكر من مطلب تدويل التحقيق,
تصفير المفاوضات، والتلميح إلى انتخابات، يشيان بأن «العسكري» غير جاد في تحقيق أيّ من شروط قادة الحراك لاستئناف المفاوضات في إطار الوساطة الإثيوبية، معتمداً في ذلك على دعم محور السعودية ــ الإمارات ــ مصر، مالياً وسياسياً، وهو ما أكده أمس ولي العهد محمد بن سلمان، في مقابلة مع صحيفة «الشرق الأوسط»، قائلاً «سنستمر في موقفنا الداعم لأشقائنا السودانيين في مختلف المجالات».