الخرطوم | مع انسياب الحياة العامة عقب تعليق تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» العصيان المدني الشامل الذي استمر ثلاثة أيام، و«نجح بصورة باهرة» بحسب ما يؤكد، تعود الحياة السياسية في السودان إلى مرحلة ما قبل مجزرة فضّ الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم، بفعل وساطة إثيوبية يقودها رئيس الوزراء آبي أحمد، تقترح مجلساً انتقالياً من 15 عضواً، منهم 8 مدنيين و7 من ضباط الجيش، لقيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية. وإذ يبدي قادة الحراك استعداداً للعودة إلى طاولة المفاوضات، على رغم خسرانهم ورقتي القوة المتمثلتين بالشارع والعصيان، تبرز مطالبات دولية باستئناف الحوار لإرساء حكم مدني، الأمر الذي لم يُبد العسكر استعداده له حتى الآن، في ظلّ تجاهله شروط التحالف المعارض، ومن بينها الاعتراف بوزر الجريمة وتشكيل لجنة تحقيق دولية، ورفع الحصار وسحب المظاهر العسكرية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وحماية الحريات العامة والإعلام، ورفع الحظر عن خدمة الإنترنت.

وبين من يرى في قرار تعليق العصيان «حتى إشعار آخر» تلييناً للمواقف، ومن يراه «استراحة محارب»، أكدت قوى «الحرية والتغيير»، في بيان حصلت «الأخبار» على نسخة منه، أن «من الممكن تعليق العصيان المدني والإضراب السياسي مؤقتاً لإعادة ترتيب الأوضاع، بحيث تستمر المقاومة أقوى وأكبر». يوضح ذلك عضو وفد التفاوض، صديق فاروق الشيخ، لـ«الأخبار»، بأن «لهذا القرار أسباب سياسية وأخرى إنسانية، تمثلت الأولى في إثبات نجاعة سلاح العصيان كوسيلة ضغط ضد المجلس، الذي توضَّحت له استجابة الشعب الكاملة للعصيان، وتأثر مؤسسات الدولة بالشلل التام فى اليومين الأول والثاني، وبنسبة أقل في اليوم الثالث»، مشيراً إلى أن هذا «السلاح استخدم لضيق الأفق السياسي من قبل المجلس». أما الأسباب الإنسانية، بحسب فاروق، فهي مطالبة «بعض المواطنين بتعليق العصيان بسبب الضغوط المعيشية، لكون الأغلبية تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، وتحتاج إلى العمل لكسب قوت اليوم»، مستدركاً بأن ذلك «لا يعني عدم العودة مرة أخرى إلى العصيان إذا واصل المجلس تعنته وممانعته تسليم السلطة للمدنيين ضمن اتفاق» مع قوى «الحرية والتغيير».
وفيما تبدو المفاوضات قاب قوسين أو أدنى، أتمّ التحالف المعارض أوراقه، من سبيل ترشيح رئيس للوزراء (تتضارب الأنباء حول الأمين التنفيذي السابق لـ«اللجنة الاقتصادية لإفريقيا»، التابعة للأمم المتحدة، عبد الله حمدوك)، وثمانية أعضاء لـ«المجلس السيادي» من بينهم ثلاث نساء، بعد نجاح محاولات دولية لإنقاذ الاتفاقات السابقة التي تمنح قوى «الحرية والتغيير» الأغلبية في «المجلس التشريعي» (البرلمان المؤقت)، وتحدّد مدة الفترة الانتقالية بثلاث سنوات، الأمر الذي أكده الوسيط الإثيوبي، محمود درير، أمس، معلناً عودة المفاوضات «قريباً... على أن يُستكمل النقاش حول المجلس السيادي»، لافتاً إلى أن «العسكري» وافق على شرط «إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين» كبادرة حسن نية.
مع عودة المفاوضات، تُطوى مبادرات محلية من سبيل تلك التي أعلنها رئيس حزب «الأمة القومي»، الصادق المهدي، في محاولة منه لاتخاذ «موقف محايد» بين طرفين، ينضوي في أحدهما. وهو في سبيل ذلك، اعتبر أمس أنه «يجب التنسيق بين الوساطات الدولية والمحلية»، في إشارة إلى مبادرةٍ طرَحها، من شأنها إطلاق مفاوضات من طريق طرف ثالث محايد، وليس بصفة مباشرة. وبالتالي، يعود المشهد إلى حالة «الثنائية»، بين قوى «الحرية والتغيير» والعسكر، لكن هذه المرة بمباركة دولية، في ظلّ بروز تيارات وأحزاب سياسية ترفض الحوار مع المجلس، وتتهم قادة الحراك بالتهميش والإقصاء، معظمها من الإسلاميين والأحزاب المشاركة في السلطة في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير.

«انقلاب» على الإسلاميين؟
التهدئة مع قوى «الحرية والتغيير» تسمح لـ«المجلس العسكري» بالتفرغ لمواجهة التيار الإسلامي، أحد أهم خصومه (وربما خصوم التحالف المعارض)، نظراً للنفوذ الذي يمتلكه هذا التيار داخل الجيش الذي ينتمي بعض كبار قادته إلى الإسلاميين، أولاً؛ وثانياً، تنفيذاً لوصاية السعودية والإمارات، المعروفتين بموقفهما الصارم تجاه ما تسمى حركات «الإسلام السياسي» في المنطقة، وهو ما لمّح إليه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أول من أمس، في تغريدة قال فيها إن «السودان يمرّ بمرحلة حساسة بعد سنوات ديكتاتورية البشير والإخوان». إذ لا تزال للإسلاميين، الذين كانوا جزءاً من نظام الأخير، القدرة على التأثير بالدفع إلى انقلاب على رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان و«حميدتي»، كما دبّروا انقلاب البشير عام 1989، خصوصاً أنهم يتهمون العسكر «بتجاهل الشريعة الإسلامية» في المفاوضات مع قادة الاحتجاج، الذين لا يشاركون معهم في التحالف.

التهدئة مع «الحرية والتغيير» تسمح لـ«العسكري» بالتفرغ لمواجهة الإسلاميين


ويبدو أن العسكر يعمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية لتفريغها من الإسلاميين، بقرارات وتعيينات بدأت منذ اليوم الثاني للانقلاب على البشير (11 نيسان/ أبريل)، مع إطاحة الفريق عوض بن عوف، الذي يُنظر إليه كامتداد للبشير في علاقته بالتيار الإسلامي، مروراً بإقالات وتعيينات في المناصب الحساسة في الشهر نفسه، من سبيل إزاحة رئيس هيئة أركان الجيش (كان نائباً لبن عوف) ونائبه، وتعيين مقربين من الرياض وأبو ظبي بدلاً منهما، وصولاً إلى تعديلات واسعة في جهاز الأمن والمخابرات الأحد الماضي، أحال بموجبها البرهان مئة ضابط على التقاعد، وليس انتهاءً أمس باعتقالات طاولت 68 ضابطاً، معظمهم من الإسلاميين (غالبيتهم برتبة عقيد) للتحقيق معهم في «محاولة انقلاب فاشلة» أعلنتها قناة «العربية» وحدها نقلاً عمّا وصفتها بـ«مصادر موثوقة». وعلى رغم أن «همروجة» الانقلاب بدت سريعة الانتهاء بعد نفي المجلس ذلك، إلا أن «العسكري» أكد الاعتقالات من دون إيضاح الأسباب، فيما كانت مراسلة القناة قد ذكرت في سياق ما قالت إنها «معلومات»، أن المنفذين مجموعتان، تلاقت الأهداف بينهما: الأولى من الضباط الإسلاميين، والأخرى ترفض وجود ميليشيا «الدعم السريع» التي يرأسها «حميدتي» داخل المؤسسة العسكرية.

واشنطن تعيّن مبعوثاً
إزاء المشهد المتجدد، يبرز حراك أميركي على الساحة، يقوده وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، الذي وصل إلى الخرطوم أمس، حاملاً في حقيبته ما من شأنه أن يساعد في إخماد الحرائق التي أشعلها العسكر على ما يبدو، وهو ما بدا في بيان الخارجية الذي حدّد مهماته بالدعوة إلى «وقف أي هجمات على المدنيين»، و«حثّ الجانبين على توفير بيئة تمكنهما من استئناف المحادثات»، فيما ينضم إليه المبعوث الخاص المعين أمس، السفير دونالد بوث، الذي سبق أن شغل المنصب نفسه، وفي جنوب السودان أيضاً.
وفي حين من المقرر فيه أن يلتقي ناجي برئيس الوزراء الإثيوبي، في إطار جولة إفريقية تشمل موزمبيق وجنوب إفريقيا، يرى الخبير الدبلوماسي، الرشيد أبو شامة، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأحداث المتسارعة قد لا تنتظر زيارة ناجي»، مشيراً إلى أن الوساطة «أفلحت في تليين مواقف الجانبين»، مستدلاً على ذلك بإطلاق «العسكري» سراح المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم ياسر عرمان، رغم ترحيلهم إلى جنوب السودان. ويجزم أبو شامة بأن ناجي «يستطيع التأثير في المجلس العسكري والضغط عليه للعودة إلى طاولة المفاوضات، من خلال كرت الضغط المتمثل برفع اسم البلاد عن قائمة الدول الراعية للإرهاب».
لكن في المقابل، يفسّر المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية، راشد التجاني، الزيارة «في سياق التحوُّل الاستراتيجي لواشنطن نحو واقع الحال في السودان، خاصة أنها كانت ترفض التعامل مع المجلس العسكري»، وبالتالي إن «زيارة المبعوث في هذا التوقيت تشير إلى حياد أميركا في المفاوضات، ووقوفها على خط مستقيم بين الطرفين، بعد أن كانت منحازة إلى قوى الحرية والتغيير من خلال الزيارات المكررة للسفير الأميركي في الخرطوم (استيفن كوتسيس) لميدان الاعتصام أمام القيادة العامة»، علماً أن الأخير عقد لقاءات عدة مع مسؤولين من «العسكري»، ولا سيما نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي». وأشار التجاني إلى أن «دخول واشنطن في هذا التوقيت يأتي لأجل إعادة الروح إلى قوى الحرية والتغيير، بعد فشلها الأخير في إنجاح العصيان المدني»، علماً أن دعم محور السعودية ــ الإمارات ــ مصر لـ«العسكري» سياسياً ومالياً كان ولا يزال بضوء أخضر أميركي، في ظلّ غياب إدارة الرئيس دونالد ترامب عن الملف طوال الفترة السابقة، وأيضاً غياب الموقف الدولي الذي استفاق أخيراً إثر المجزرة التي حركت ملفات أخرى من سبيل حقوق الإنسان والضغوط الداخلية في تلك الدول، ولا سيما أوروبا والولايات المتحدة.