لم تفلح وسيلة إعلامية حتى الآن في تأكيد أو نفي خبر ورد أواخر شهر أيار الماضي عن رفض روسيا طلباً إيرانياً لشراء منظومة «S 400» الدفاعية الجوية، باستثناء موقع «بلومبرغ» الذي نسب إلى مصادر معنية بالملف، بما فيها مصدر روسي رسمي حرص على عدم ذكر اسمه، إقراراً بصحته. انحيازات «بلومبرغ» معروفة، وكذلك عداؤه الشديد لإيران، لكن اللافت أنه لم ينجح وغيره من وسائل الإعلام في الحصول على تعليق علني رسمي روسي أو إيراني على الموضوع. ولا شك في أن هذا الخبر، إن ثبتت دقّته، سيشجّع تأويلات عدّة حول مستقبل العلاقات الروسية ـــ الإيرانية، خصوصاً في ظلّ التصعيد الأميركي الخطير ضد إيران في الآونة الأخيرة، من جهة، وسعي روسيا المحموم لبيع المنظومة الدفاعية لعدد كبير من الدول، وفي مقدمتها دول لا تزال محسوبة حليفة لواشنطن، كتركيا والهند، مع ما يثيره احتمال بيعها من تأزمات بين الدول المذكورة والولايات المتحدة، من جهة أخرى. كذلك فإن الخبر نفسه سُرّب بعد إعلان اجتماع لا سابق له سيعقد في القدس المحتلة خلال هذا الشهر، بين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، ورئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي بتروشيف، سيتمحور حول الوجود الإيراني في سوريا.

الأطراف الأميركية والإسرائيلية لا تخفي تفاؤلها بحصول تقاطع ظرفي مع روسيا ضد إيران في سوريا تحديداً، يسمح بتحجيم ما تعتبره «نفوذها المتعاظم» وإجبارها على وقف مسعاها لتحويل هذا البلد، بحسب مزاعم واشنطن وتل أبيب، إلى منصة صاروخية ضد إسرائيل. التغيرات الكبرى التي طرأت على طبيعة السياسات الدولية، مع دخول النظام العالمي السابق في مسار تفكّك وانحلال، وميل اللاعبين الدوليين والإقليميين إلى تغليب التقاطعات الظرفية على التحالفات الثابتة، يفسحان بالفعل المجال أمام احتمالات كثيرة في العلاقات بينهم. غير أن التجاهل المتعمّد للمواجهة الاستراتيجية الكبرى بين الولايات المتحدة وكلّ من روسيا والصين على صعيد عالمي، وموقع إيران فيها، وهي جزء أصيل من السياق الدولي المستجد، قد يفسّر مثل هذا التفاؤل المفرط الأميركي ــــ الإسرائيلي.

التجاهل المتعمّد للمواجهة الاستراتيجية على صعيد عالمي يفسّر التفاؤل المفرط


العلاقات الروسية ـــ الإيرانية، التي نمت باطّراد في العقود الثلاثة الماضية، وكذلك العلاقات الصينية ـــ الإيرانية، تستند إلى كتلة مصالح مشتركة تعاظمت أهمّيتها مع مرور الزمن. وقد ارتبط تطوّر هذه العلاقات بنحو وثيق بتدهور علاقات البلدان الثلاثة مع الولايات المتحدة، بل قد يكون هذا التدهور هو المحفّز الرئيس في موسكو وبكين وطهران على تعزيزها. بعض التعليقات الغربية عن معنى الانعقاد المتزامن لقمّة النورماندي، التي جمعت «الأسرة الغربية» إحياءً لذكرى الإنزال الأميركي ــــ البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، واستُثني منها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وقمة موسكو التي جمعت الأخير والعديد من الرؤساء، وأبرزهم الصيني شي جين بينغ، رأت أنها ترسم معالم العالم القادم المنقسم إلى معسكرين، أحدهما غربي والآخر غير غربي. وبمعزل عن مدى دقّة هذا التوصيف، فإن ما لا شك فيه، أنّ «عودة التنافس بين القوى الكبرى»، كما تقول تقارير «البنتاغون»، باتت واقعاً ملموساً. وجود التنافس بين هذه القوى لا ينفي إمكانية عقدها صفقات موضعية في ما بينها، كما شهدنا في مراحل تاريخية سابقة، غير أن هذه الأخيرة تبقى خاضعة لحساب كل طرف للأرباح والخسائر الناجمة عنها.
تراهن اليوم كلّ من واشنطن وتل أبيب على إمكانية عقد صفقة موضعية مع موسكو في سوريا تفضي إلى مساهمتها في الضغط على طهران للجم تطويرها لقدرات محور المقاومة العسكرية والصاروخية في هذا البلد. أول من طرح بصراحة هذه الفكرة هو بريت ماك غورك، المبعوث الأميركي الخاص السابق لإدارة الحرب على «داعش»، الذي استقال من منصبه في كانون الأول الماضي/ ديسمبر، في مقال نشره في العدد الأخير من دورية «فورين أفيرز». وقد اعتبر ماك غورك، في مقاله الذي خصّصه لنقد السياسة الأميركية في سوريا، أن الخيار الوحيد الذي تمتلكه الولايات المتحدة للسعي إلى تحقيق هدف تحجيم نفوذ إيران فيها هو الاعتماد على «القوة الصلبة الإسرائيلية والدبلوماسية الأميركية ووجود قواتها العسكرية في البلد من أجل التوصل إلى مقايضة كبرى مع الروس. العلاقة مع إسرائيل أساسية في استراتيجية بوتين الشرق أوسطية... عبر العمل المشترك مع إسرائيل وتوظيف وجودها العسكري كرافعة، تستطيع واشنطن أن تؤمن قدراً من التعاون الروسي في احتواء التوسع الإيراني». السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة عند قراءة هذا التصور، هو عن الأثمان التي ستحصل عليها روسيا في مقابل تجاوبها مع الطلبات الأميركية والإسرائيلية: هل ستعرّض علاقاتها الاستراتيجية مع إيران للخطر مقابل إرضاء إسرائيل على رغم حرصها على الحفاظ على علاقات جيدة معها؟ فالتعاون والتنسيق مع طهران ليسا أقل أهمية من هذه العلاقات.
كتاب صدر في الولايات المتحدة أواخر العام الماضي لباحثتين من أصول إيرانية، هما دينا اسفندياري وأريان طبطبائي، بعنوان «المحور الثلاثي: الصين وروسيا وإيران وسياسات القوّة»، يلقي الضوء على ما تعتبرانه «قصّة نجاح» في نسج تحالف براغماتي بين البلدان الثلاثة، أتاح لها تحقيق جملة مكاسب وازنة في سياق عالمي سِمَته اضطراب التحالفات وتفكّكها في العديد من الأحيان. وتؤكّد الباحثتان أن الدول الثلاث عالية البراغماتية، وتسعى إلى الدفاع عن مصالحها القومية، وأن التركيز عليها هو الذي يعزّز تعاونها الاقتصادي والسياسي والعسكري، وأن وجود تباينات، كتلك المتّصلة بعلاقات موسكو وبكين مع إسرائيل، لا يهدّد التحالف. ما الأثمان التي ستعرضها إسرائيل على روسيا لدفعها إلى إعادة النظر في مثل هذا التحالف القوي؟ هل هي قادرة على حمل الولايات المتحدة على وقف سباق التسلح وسياسة الاحتواء التي تعتمدهما ضد روسيا؟ هل تتضرر موسكو فعلاً من وجود ميزان قوى رادع لإسرائيل في الإقليم، أم أنه قد يفسح لها المجال لدور سياسي أكبر في المستقبل؟ مؤشرات كثيرة تشي بأن المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على صعيد استراتيجي عام ستحتدم في الفترة المقبلة، وأن الدولتين تحتاجان إلى حلفاء إقليميين وازنين لخوضها بأفضل الشروط. إيران أبرز هؤلاء الحلفاء بلا ريب.