يمضي المجلس العسكري في سياسة داخلية وخارجية تستهدف تكريسه الحاكم الفعلي في السودان، بعد تعثر المفاوضات مع قوى «الحرية والتغيير» لعدم الاتفاق على «المجلس السيادي» الذي يمثل رأس الدولة. ولا يزال العسكر، بعد شهر ونصف شهر من الانقلاب على الرئيس عمر البشير، مصرّاً على إبقاء نهج النظام البائد، بقرارات سياسية واقتصادية، داخلية وخارجية، يتخذها منفرداً، في ظلّ مرحلة يفترض أنها انتقالية، من دون أن يستجيب لمطلب تسليم السلطة إلى المدنيين، وفي ظلّ محاولات من قِبَله لفضّ الاحتجاجات بالقوة، كما جرى الأسبوع الماضي بهجومين دمويين شنتهما قوات «الدعم السريع» التابعة للمجلس.

وفي ضوء ذلك، يتجه «العسكري» إلى حلفائه الخارجيين بشكل رسمي، قبل انطلاق جولة تصعيد جديدة لقوى «الحرية والتغيير»، تتمثل في الإضراب الشامل المحدد يوم غد وبعد غدٍ في المؤسسات والشركات الخاصة والعامة والقطاعات المهنية والحرفية، إثر تعثر الجولة الثالثة من المفاوضات. وتجلّى هذا الاتجاه في جولة لرموز العسكر على عواصم محور السعودية والإمارات ومصر، بدأت من الرياض بزيارة لنائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، الجمعة الماضي، حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان، للتأكيد على قرار استمرار المشاركة في حرب اليمن، والاصطفاف إلى جانب المملكة ضد إيران في ضوء التصعيد الأميركي. واستُكملت هذه الجولة أمس بزيارتين لرئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان. الأولى لمصر، التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتفق فيها معه «على أولوية دعم الإرادة الحرة للشعب السوداني واختياراته»، بحسب بيان الرئاسة المصرية. والثانية إلى الإمارات، تنتهي غداً، أكد خلالها ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، وقوف الإمارات إلى جانب السودان «في كل ما يحفظ أمنه واستقراره... ويؤدي إلى الانتقال السياسي السلمي».
لكن لم يعد ثمة شك في أن محور الرياض وأبو ظبي والقاهرة يدعم ما يصفه النشطاء بـ«الثورة المضادة» لفرض حكم عسكري يخدم مصالحه في «بوابة أفريقيا». ففيما تحرص السعودية والإمارات على إبقاء القوات السودانية في اليمن، يخشى السيسي من تجربة نقل السلطة إلى مدنيين في السودان، واحتمال انتقال العدوى إلى مصر، كما يسعى إلى حلحلة الملفات العالقة بين البلدين، من سبيل ملف سد النهضة، والسلام مع جنوب السودان، وهما ملفان ركزت المباحثات المصرية ــــ السودانية عليهما، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام سعودية، بالإضافة إلى زيادة التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب. ومقابل تعاون «العسكري»، ثمة ما هو ظاهر في هذه العلاقة المتبادلة، كالدعم المالي ــــ قيمته ثلاثة مليارات دولار ــــ الذي تعهدت بتقديمه السعودية والإمارات الشهر الماضي، لتودع الرياض الدفعة الأولى منه (250 مليون دولار) في المصرف المركزي السوداني الأسبوع الفائت، أو الدعم السياسي المتمثل أولاً في الاستقبالات الرسمية على أعلى مستوى، كما في استقبال ابن زايد أمس البرهان باعتباره الحاكم الفعلي للسودان، وثانياً في فتح الباب للمماطلة في تسليم السلطة للمدنيين، مثلما سعت إليه مصر في اجتماع قادة الاتحاد الإفريقي في القاهرة، والذي انتهى إلى تمديد المهلة الممنوحة لـ«العسكري» حتى 30 حزيران/ يونيو المقبل.
ويستفيد «العسكري» من تباين المواقف داخل تحالف قوى «الحرية والتغيير» للانفراد بالمرحلة الانتقالية، في حين يلوّح بالدعوة إلى انتخابات مبكرة في حال وصول التفاوض إلى طريق مسدود، وهو ما أعلنه صراحة عضو المجلس الحاكم، صلاح عبد الخالق، معتبراً أن الجيش «هو الضامن لأن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة». وفيما تدعو قوى «الحرية والتغيير» إلى الإضراب الشامل، ظهر موقف زعيم «حزب الأمة القومي»، الصادق المهدي، رافضاً للخطوة، بسبب عدم «التوافق» عليها معه كما جاء في البيان، الذي أضاف إن «الإضراب العام وارد في حال التوافق عليه في اجتماعات لاحقة»، علماً بأن المهدي سبق أن حذّر من «استفزاز» العسكر أو «حرمان (العسكري) من شرعيته». يأتي ذلك في ظلّ حديث عن زيارات لمسؤولين في قوى «الحرية والتغيير»، يرفضون أيضاً «التغييب المتعمّد» لهم عن المفاوضات، إلى دولة الإمارات سراً. ومن بين هؤلاء نائبة المهدي، ابنته مريم، ورئيس «الحركة الشعبية/ قطاع الشمال» مالك عقار، ونائبه ياسر عرمان، والقيادي في الحركة إسماعيل جلاب. والأخيران وصلا إلى الخرطوم أمس على متن الخطوط الإثيوبية، وأعلنا أنهما جاءا «لنقل رسالة السلام الشامل والعادل، وبناء نظام جديد، وبناء دولة ديموقراطية قائمة على المواطنة بلا تمييز» بحسب ما قال عرمان، مضيفاً إن الحركة تدعم «الوصول إلى شراكة واضحة تقيم حكومة مدنية ديموقراطية».