بعد انقطاع دام ثلاثة أيام، إثر تعليق «المجلس العسكري» المفاوضات مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، نتيجة الأحداث التي شهدها محيط الاعتصام المفتوح أمام مقار الجيش وسط الخرطوم، لم يفكِّك قرار المجلس استئناف المفاوضات، التي عُقدت آخر جلساتها مساء أمس، تعقيدات المشهد السوداني، مع دخول طرفين سياسيين جديدين على خط جبهتَي المشهد: الشارع والمفاوضات، رفضاً للاتفاقات التي أُبرمت بين «العسكري» والتحالف المعارض على أساس حصر تمثيل الحراك الشعبي بالأخير، ومنها الاتفاق على هياكل الحكم، وعلى فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات.

وبين الحراك الشعبي والجيش، ظهر تشكيلان جديدان على الساحة السياسية: الأول من رحم الشارع، مؤلف من عدة تيارات إسلامية كانت مشاركة في النظام البائد، منها «تحالف 2020» الذي يقوده خال الرئيس المعزول عمر البشير، رئيس «منبر السلام العادل» الطيب مصطفى، ويضم عدة أحزاب وحركات تؤيد اعتماد الشريعة في القانون، وتناهض الأفكار العلمانية، وبينها حزب «المؤتمر الشعبي» الذي كان في الماضي متحالفاً مع البشير، وتحالف «أحزاب شرق السودان» وبعض الحركات المسلحة المعارضة في الخارج. وقد ارتأت هذه القوى التي قدمت أكثر من مئة رؤية للمرحلة الانتقالية لـ«المجلس العسكري»، في جولات التفاوض الأولى، الخروج إلى الشارع أمس، في مسيرة بالقرب من القصر الجمهوري، رفضاً لـ«سيطرة القوى اليسارية» على المشهد في البلاد، كما تقول، وتفرّد «العسكري» و«الحرية والتغيير» بالمرحلة الانتقالية التي سيتحدّد من خلالها شكل نظام السودان. كذلك، أعلن أبرز الداعين إلى المسيرة، الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف، في حديث تلفزيوني، اعتزامهم تنظيم المزيد من التظاهرات والوقفات الاحتجاجية حتى يرضخ «العسكري»، ومن أجل عدم السماح لـ«قوى الحرية والتغيير» بالانفراد بحكم السودان في الفترة الانتقالية.

أعلن تحالفٌ حديث التشكيل دعمه للقوات المسلحة ورفضه لمفاوضات «العسكري»


أما التشكيل الثاني، فقد تمثل في تحالف جديد أُعلن تأسيسه أمس، باسم «قوى السلام والعدالة المتحدة»، يدعم القوات المسلحة و«دورها الوطني المهم في حفظ الوطن والمواطنين، من خلال انحيازها لخيار الشعب في إحداث التغيير»، بحسب ما أكد رئيسه مصطفى المنا، لكنه يرفض أيضاً ما يدور بين «المجلس العسكري» و«قوى الحرية والتغيير» من تفاوض «تم اختزاله في كيان واحد فقط» كما قال. والمعنى نفسه شددت عليه «الجبهة الوطنية»، التي أكدت أن أي قرار ثنائي ينتج من تفاوض معزول بين طرفين «يبقى شأناً خاصاً بهما ولا يلزمنا». و«الجبهة» هي مجموعة من التحالفات والكتل السياسية، تشمل أحزاب وحركات شرق السودان، و«التنسيقية العامة للحركات المسلحة»، و«ائتلاف شباب السودان»، و«قوى تجمع الثوار» (وتر).
وقد جاء هذا الاستعراض بقوى داعمة للجيش ورافضة لخيارات «العسكري»، بالتزامن مع استعراض من نوع آخر قدمه نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، خلال حفل إفطار بحضور سياسي ذي ثقل لحلفائه الخارجيين، من بينهم السفير السعودي في الخرطوم علي بن حسن جعفر، والقائم بالأعمال الأميركي ستيفن كوتسيس، ومشاركة المئات من ممثلين من محافظات وولايات سودانية مختلفة. وقال دقلو، في كلمة بالمناسبة، وهو يشير بعصاه على إيقاع موسيقى أغاني الثورة السودانية، إن قوات «الدعم السريع» «جزء من الثورة»، مضيفاً «(أننا) لن نسمح لأموال الخارج بشراء السياسيين لتمرير أجندة غير وطنية»، بعدما لاقت هذه القوات المنضوية في الجيش اتهامات بضلوعها في هجومين متتاليين على ساحة الاعتصام وسط الخرطوم، راح ضحيتهما ستة قتلى وعشرات الجرحى.
ويأتي هذا التغيير السريع في المشهد بالتزامن مع خوض طرفَي التفاوض جلسة رابعة مساء أمس، ناقشت النقطتين العالقتين الأهم في إطار الوثيقة الدستورية المُقدَّمة مطلع الشهر الحالي، وهما نسب التمثيل ورئاسة كل من مجلس الوزراء و«المجلس السيادي»، علماً بأن الأول يُفترض أن يمثل رأس هرم السلطة إذا تم التحول الديموقراطي المنشود، وما يصحبه من تقليص لصلاحيات الرئيس، والثاني يمثل رأس الدولة، ويمتلك الصلاحيات الأوسع في ظلّ النظام الرئاسي الحالي، المستمر على الأقل حتى نهاية الفترة الانتقالية. وفي هذا الإطار، تحدثت بعض المعلومات عن اقتراح بالمساواة بين الطرفين في نسب العضوية في «السيادي»، على أن تبقى الرئاسة للعسكر، مقابل أن تحظى «قوى الحرية والتغيير» بالتمثيل الأكبر في الحكومة، وتبقى رئاسة مجلس الوزراء للمدنيين.