دفعت خيارات «المجلس العسكري» الضيقة في المفاوضات مع قوى «الحرية والتغيير» إلى تعليقها من جانبه. فهو إن ترك الاعتصام تتّسع رقعته سيبقى في موقف الضعيف على طاولة المفاوضات، وقد يخسر نسبة تمثيل مرضية لحلفائه الخارجيين في الحكم، وإن واجه المتظاهرين كما ارتأى أخيراً، سيواجه زيادة احتقان الشارع وتصاعد الاحتجاج واحتمال تمرّد الضباط الأقلّ رتبة.

علّق «المجلس العسكري الانتقالي» المفاوضات مع تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» لمدة ثلاثة أيام، ابتداءً من أمس، رفضاً للتفاوض القائم على ضغط الشارع، بعد جولة ثالثة تمكّن خلالها الطرفان من الوصول إلى حلول وسط في شأن بعض النقاط العالقة في الوثيقة الدستورية، التي طرحها قادة الحراك الشعبي على الطاولة الأسبوع الماضي. وتتعلق تلك الحلول بالاتفاق على هياكل الحكم والسلطة الانتقالية، إلى جانب اتفاق محدود في شأن النسب تحصل بموجبه قوى «الحرية والتغيير» على ثلثي المقاعد في المجلس التشريعي (البرلمان) كإقرار بتمثيلها للحراك الشعبي، وتحديد مدة الفترة الانتقالية بثلاث سنوات، كحل وسط بين مطلب «العسكر» أن تكون عامين، ومطلب قوة «الحرية والتغيير» أن تكون أربع سنوات.
وبرّر رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، قرار تعليق المفاوضات بضرورة «تهيئة المناخ الملائم لإكمال الاتفاق» كما قال، متهماً المحتجين بأنهم خرقوا «تفاهماً» مع الجيش من شأنه وقف التصعيد أثناء المفاوضات، من خلال سدّ الطرق خارج منطقة الاعتصام وتعطيل الحياة في العاصمة، لافتاً كذلك إلى «إصدار جدول بالتصعيد الثوري من قِبَل أحدى مكونات إعلان الحرية والتغيير بالتزامن مع سير التفاوض، والاستفزاز المباشر والاساءة البالغة للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع»، علماً أن رفض المجلس التفاوض تحت ضغط الشارع بدا واضحاً منذ اليوم الأول للمفاوضات. فقبل أن تشنّ قوات «الدعم السريع»، التي يرأسها نائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو، المُلقّب بـ«حميدتي»، هجومين دمويين بالرصاص يومَي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، على ساحة الاعتصام أمام مقرات الجيش في الخرطوم، لمحاولة فضّ الاعتصام المفتوح منذ الـ6 من نيسان/ أبريل الماضي بالقوة، كان المجلس قد منع توسيع رقعة الاحتجاج على اعتبار أن ما يحدث خارج منطقة الاعتصام «شأن آخر يستوجب الحسم»، كما قال في بيان السبت الماضي، رداً على إعلان «قوى الحرية والتغيير» جدولاً لتصعيد الاحتجاجات، يتضمّن مواكب عصرية وليلية تتجه إلى ساحات الاعتصام، بالإضافة إلى مواكب للمهنيين تحضيراً لإضراب عام، بالتزامن مع إغلاق المعتصمين في حينها شارع النيل، أحد الشوارع الرئيسة وسط الخرطوم.

يتهم البرهان المحتجين بأنهم خرقوا «تفاهماً» من شأنه وقف التصعيد أثناء المفاوضات


من جهتها، رأت قوى «الحرية والتغيير» أن تعليق التفاوض «يسمح بالعودة إلى مربع التسويف في تسليم السلطة»، وأكدت في بيان أمس، استمرار «اعتصامنا بالقيادة العامة وكافة ميادين الاعتصام في البلاد». وبالنظر إلى مسار المفاوضات التي اتسمت بالتسويف منذ انطلاقتها، كان «المجلس العسكري» هو من يدفع «قوى الحرية والتغيير» إلى الضغط بالشارع. ففي الجولة الأولى، حاول الالتفاف عليها بتوسيع دائرة التفاوض مع قوى سياسية أخرى بعضها كانت مشاركة في النظام البائد، وعدم الاعتراف بالأولى كممثل عن الحراك الشعبي على الطاولة، وصولاً إلى الجولة الثانية، التي ما كانت لتنعقد لولا الدعوة إلى مسيرة مليونية تطالب بتسليم السلطة إلى المدنيين، سُلّمت على إثرها الوثيقة الدستورية التي تضع تصور قادة الحراك للمرحلة الانتقالية، والتي جرى التفاوض حولها في الجولة الثالثة، بعد تلويح «قوى الحرية والتغيير» بتوسيع رقعة الاحتجاج وصولاً إلى العصيان المدني.
وفي ظلّ هذا الواقع، يجد «العسكري» نفسه في الحلقة الأضعف على طاول المفاوضات، وهو يخشى الاستمرار في الطريقة نفسها في معالجة النقاط العالقة المتبقية، كنسب التمثيل في مجلس الوزراء والمجلس السيادي. والأخير هو أكثر ما يصرّ فيه على «الشراكة» مع المدنيين، ويطمح إلى أغلبية فيه للعسكريين، في حين يُبدي استعداداً لتشكيل حكومة تكون للمدنيين الأغلبية فيها؛ كون المجلس السيادي، الذي تصدر قراراته «بأغلبية ثلثَي الأعضاء» كما نصت الوثيقة الدستورية، هو الأعلى في هرم السلطة، في ظلّ الحكم المركزي الرئاسي الحالي الذي يجعل رئيس الجمهورية، الذي يمثل رأس الدولة، على رأسه، علماً أن قادة الحراك يطالبون في الوثيقة بحكومة مدنية من كفاءات تقود عملية تحول ديموقراطي للسودان خلال المرحلة الانتقالية، ليصبح جمهورية مدنية ديموقراطية، ما يستدعي الحدّ من صلاحيات الرئيس وتطوير واستحداث قوانين من شأنها تحقيق مبدأ «حكم الشعب» من خلال ممثلين عنه منتخبين. كما يخشى «العسكري» أيضاً من أن يؤدي التصعيد في الشارع إلى التأثير على صغار الضباط والجنود المتواجدين في ساحة الاعتصام، خصوصاً وأنهم على السواء يقعون ضحية الهجمات التي تشنّها أذرع المجلس كـ«الدعم السريع»، في ظلّ تعارض موقفه الرسمي الذي يؤكد أنه لا يريد فضّ الاعتصام بالقوة مع الواقع على الأرض، بما يفتح الباب أما سيناريوات سابقة، لا سيما إبان انتفاضة 1985 التي أطاحت بالرئيس جعفر النميري.
وفيما تُوجّه أصابع الاتهام إلى «العسكر» في قتل خمسة معتصمين وضابط وإصابة عدد كبير بالرصاص الحي، يحاول المجلس تبرئة ساحته دولياً من العنف الذي حذرت منه الولايات المتحدة ودول أوروبية، ويسعى إلى إلصاقها بـ«مجموعات غير تابعة للقوات النظامية»، حسب الشرح الذي قدمه رئيس اللجنة الأمنية في المجلس، مصطفى محمد مصطفى، لسفراء أوروبا والولايات المتحدة وكندا. والأمر نفسه طرحه المتحدث باسم المجلس، شمس الدين كباشي، لدى لقائه بسفراء الدول الآسيوية والأفريقية المعتمدين لدى الخرطوم، الخميس الماضي، بعد ساعات من إطلاعه البعثات الدبلوماسية العربية على آخر التطورات، وفق بيان سابق.