لا يبدو أن الوثيقة الدستورية التي وضعتها قوى «إعلان الحرية والتغيير» على طاولة «المجلس العسكري» تلقى ترحيب الأخير، الذي أكد مسؤولوه أمس أنها لا تزال قيد الدراسة، وأنه سيُقدم رداً مكتوباً عليها. فـ«الانطباع الأولي»، كما عبّر عضو المجلس صلاح الدين عبد الخالق سعيد، أنّ المجلس يرى أنّ «الرجوع إلى التفاوض شيء إيجابي» (في إشارة إلى أن بعض بنود الوثيقة ـــ على الأقل ـــ غير مقبولة لدى المجلس)، وأنه يعدّ الوثيقة «مثل أي وثيقة دستورية أخرى»، علماً أن أكثر من مئة وثيقة تسلمها المجلس من قوى سياسية كانت مشاركة في السلطة في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، مع بداية المفاوضات.

وعلى رغم أن وثيقة قوى «الحرية والتغيير» تركت الباب مفتوحاً لشراكة مع «العسكري» في «المجلس السيادي»، بهدف فسح المجال أمام اتفاق أولي على آليات السلطة المدنية التي يَعِد بها المجلس وصلاحياتها، إلا أنه لم يكن متوقعاً أن يوافق الأخير على أي وثيقة يتسلّم بموجبها التحالف المعارض السلطة، لأن من شأن ذلك أن يعطيه شرعية سياسية وشعبية مطلقة، بما يُزيح المؤسسة العسكرية تماماً في خلال أربع سنوات، بعد انقضاء مدة الفترة الانتقالية التي تقترحها الوثيقة. ولعلم قوى «الحرية والتغيير» بأن «العسكري» يسعى لإبقاء الوصاية الخارجية، ولا سيما من السعودية والإمارات، فهي رفعت سقف الصلاحيات المعطاة لها، كتشكيل مجلس الوزراء كاملاً، وتحديد أعضاء «مجلس التشريعي الانتقالي» (البرلمان)، مع فتح باب التفاوض «على بعض جوانب» الوثيقة التي لا «تتعارض مع إعلان الحرية والتغيير»، وتأكيد الاستعداد لاستمرار التفاوض «مباشرةً» مع «العسكري»، من دون حاجة إلى وساطة مستقلين بادروا إلى تشكيل «لجنة» لتجاوز الخلافات مع «العسكري» في شأن تشكيل «السيادي».
وعلى رغم أن تحفظات المجلس على الوثيقة لم تُعرف بعد، إلا أن الخلاف يبدو بائناً حول «المجلس السيادي»، وهو ما ركزت عليه «لجنة الوساطة»، التي قدمت اقتراحاً يتلخّص بتشكيل مجلسين: الأول «سيادي» يغلب عليه المدنيون (7 مدنيين، و3 عسكريين)، برئاسة رئيس المجلس العسكري، ونائبين، أحدهما عسكري والآخر مدني، ويختص بالسلطات السيادية كما ورد في الإعلان الدستوري، والثاني «أمني» يغلب عليه العسكريون (يسمى «مجلس الأمن والدفاع القومي»، مؤلف من 7 عسكريين و3 مدنيين)، على أن يتبع الأخير «المجلس السيادي» برئاسة عبد الفتاح البرهان. لكن بعيداً من الوساطة، التي لا تزال قيد الدراسة لدى الطرفين بحسب ما أكد البرهان لدى لقائه أعضاءها وطلبه منهم عرضها على قوى «الحرية والتغيير لدراستها أيضاً»، ثمة «خطوط حمر» بدأ «المجلس العسكري» يحددها على طاولة المفاوضات، منها ما تحدث عنه أمس، عبد الخالق سعيد، من أن «المجلس لن يقبل بأغلبية من المدنيين في أي مجلس مؤقت لتقاسم السلطة».

طول أمد المفاوضات وتعثرها ليسا في مصلحة أيٍّ من الطرفين


وفيما يتجه «العسكري» نحو رفض الوثيقة، على ما يبدو، تستمر حشود المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة للجمعة الرابعة على التوالي بالازدياد، للمطالبة بتسليم السلطة إلى المدنيين «فوراً»، ورفض وعد «العسكري» بتسليمها خلال عامين، ما يشي بأن المشهد يزداد تعقيداً اليوم، لكن طول أمد المفاوضات وتعثرها لا يبدوان في مصلحة أيٍّ من الطرفين. فبالنسبة إلى المجلس العسكري، يمكن الضغط الشعبي المتواصل أن يؤثر من جديد بضباط الجيش الأقل رتبة، وبالتالي الدفع إلى «انقلاب جديد»، لا يستبعده مراقبون، كالكاتب السياسي محمد عبد القادر، الذي حذّر من سيناريو كهذا إن لم ينجز الطرفان اتفاقاً سريعاً، فيما توقع القائد العسكري السابق الفريق أول محمد بشير سليمان «حدوث انقلاب من داخل المجلس العسكري أو من المؤسسة العسكرية، في حال استمرار حالة الاحتقان وعدم الوصول إلى اتفاق»، مشيراً إلى أن «هناك ضباطاً في القوات المسلحة لا يرضيهم ما يجري الآن من إضعاف لهيبة المؤسسة العسكرية»، في ظل ما وصفها بـ«حالة السيولة الأمنية، وعدم الاستقرار وغيرها من عوامل الاضطراب». وهو ما يتبدّى في تهديد رئيس «تجمع قدامى المحاربين»، اللواء محمد علي حامد، «بحمل السلاح حال عدم تنفيذ مطالب الثورة». و«قدامى المحاربين» يقاربون مليوني جندي وضابط، فُصلوا من الخدمة في عهد النظام البائد. كذلك، لا تزال العوامل التي أشعلت فتيل الاحتجاجات في كانون الأول/ ديسمبر الماضي قائمة، إذ اصطفت طوابير أمام الصرافات الآلية من جديد لشحّ السيولة، فيما عادت أزمة الوقود لتطلّ برأسها.
أيضاً، لا يبدو طول أمد الأزمة في مصلحة قوى «الحرية والتغيير»، التي تعيش تبايناً في المواقف، بين تلك التي يطلقها «تجمع المهنيين السودانيين» للضغط بالشارع، والتي يطلقها قيادات حزب «الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي، الذي بات يحذّر قادة الاحتجاجات من «استفزاز» أعضاء «العسكري» أو «حرمانه شرعيته»، في ظلّ حديث عن زيارات قيادات حزبية دولة الإمارات سراً، كنائبة الصادق المهدي وابنته مريم، ورئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، مالك عقار، ونائبه ياسر عرمان، والقيادي في الحركة إسماعيل جلاب، والأخيرون كانوا قد رفضوا التغييب «المتعمد» لهم عن المفاوضات، على رغم أنهم يؤكدون استمرارهم في الانضواء تحت لواء تحالف «الحرية والتغيير».