لم تُنهِ رواية إسرائيل الجديدة لاستعادة رفات أحد جنودها المفقودين في سوريا، التساؤلات حول الدور الروسي وخلفياته، والتي رافقها في حينه حديث شكر إسرائيلي لـ«البادرة الروسية الطيبة»، وتأكيد مفرط أن لا صفقة تبادل مع السوريين، ولا أثمان إسرائيلية مقابلة. و في ما يبدو أنه استدراك للموقف، طالبت موسكو تل أبيب ببادرة «حسن نية»، ليسارع رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى تلبية الطلب، عبر قراره إطلاق أسيرين سوريين من السجون الإسرائيلية، تثير هويتهما السياسية وأسباب أسرهما جملة تساؤلات أيضاً، وقد لا يكون الإفراج عنهما بالذات ذا دلالات مقصودة تجاه سوريا وحليفها الروسي.

التأكيد الأول على انتفاء «صفقة التبادل» لم يُلغِه تأكيد وقوعها لاحقاً. وبذلك، حافظت إسرائيل على الرواية الأولى مع تلطيفها في الإعلان الثاني، من خلال الإشارة إلى أن إطلاق سراح الأسيرين من سجونها جاء كـ«بادرة طيبة» تجاه الجانب الروسي، تقديراً لجهوده «غير المدفوعة الأجر» في استعادة رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل. وفي ردود الفعل السياسية في تل أبيب، برزت انتقادات لنتنياهو إزاء تفرّده في «صفقة التبادل» من دون الرجوع إلى المجلس الوزاري المصغّر واستصدار مصادقة منه، لكن لا أحد اعترض على الحدث نفسه. إضافة إلى ذلك، برزت الشكوى من أن كل الوزراء، ومن بينهم المعنيون، عرفوا عن «الصفقة» من خلال وسائل الإعلام كغيرهم من عامة الجمهور الإسرائيلي.
وإزاء روايتَي «الصفقة» و«اللّاصفقة» وسياقاتهما، وتتبّع الأخبار والتسريبات حولهما، يمكن الإشارة إلى الآتي:
ـــ يبدو واضحاً أن «بادرة طيبة» أقدم عليها الجانب الروسي تجاه القيادة السياسية في تل أبيب مُمثَّلة في نتنياهو، عبر «هدية» رفات الجندي المفقود، الذي يحتل في الوعي الجمعي للإسرائيليين مكاناً معتبراً جداً، من شأنه التأثير إيجاباً في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي وقيادته تجاه روسيا.
ـــ كانت اعتبارات موسكو ومصالحها البينية مع تل أبيب وراء الفعل الذي أقدمت عليه الأولى، من دون أن تلتفت إلى ردّ الفعل المقابل، والذي بلغ حداً استدعى من روسيا استدراكاً للموقف، والعمل على بلورة «صفقة تبادل» بمفعول رجعي.
من جهة إسرائيل، التي تبجّحت بـ«النجاح الاستخباري الباهر»، فقد تبيّن لاحقاً أن تبجّحها في غير مكانه (وهي عادة إسرائيلية متبعة)، وأن جلّ ما كان للاستخبارات الإسرائيلية هو لعب دور المتلقي من الروس، للتأكد عبر الفحوصات من هوية صاحب الرفات. أما مسارعة نتنياهو إلى تلبية الطلب الروسي، فالواضح أنها استهدفت الحيلولة دون صدور مواقف من شأنها استفزاز موسكو، وذلك عبر انفراده بالقرار وإطلاقه سراح الأسيرين بلا مراجعة وزرائه وطرح الموضوع على التصويت.
في الوقت نفسه، لا تخلو خطوة نتنياهو من دلالة تتعلق بملف المفقودين في لبنان والذين تنتهي آثارهم في سوريا، أو بقضية جواسيس أُعدموا في سوريا وإسرائيل معنية باستعادة رفاتهم، إذ إن إطلاق سراح الأسيرين السوريين إشارة إلى إمكان تفعيل التفاوض غير المباشر، لبلورة صفقة تبادل رفات مع أسرى في السجون الإسرائيلية، يريد نتنياهو على ما يبدو أن تكون محصورة بسوريين من غير سكان الجولان المحتل، وهو ما يفسّر هوية الأسيرين وأصل انحدارهما ومكان سكنهما خارج الأراضي المحتلة.
قد تكون موسكو تسرّعت في «البادرة الطيبة» من دون الالتفات إلى مصلحة حليفها السوري، لكن دلالات استدراك الموقف لافتة جداً، وبالإمكان الاستعانة بها لتفسير إجراءات وقرارات واقتراحات تتعلق بالحرب السورية كانت قد وُضعت على طاولة البحث، ليعاد سحبها لاحقاً.