جوبا | في إطار الجهود التي يبذلها لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يلائم مصالحه، يسعى المحور السعودي ـــ الإماراتي ـــ المصري إلى إدخال جنوب السودان في دائرة تلك الجهود، بالاستفادة من العلاقات التي تملكها جوبا مع أطراف المعارضة السودانية. مساعٍ يبدو أن سلفاكير ميارديت لا يمانع الاستجابة لها والتفاعل معها، وفق ما أوحت به زيارته خلال الأيام الثلاثة الماضية للإمارات.

تندرج زيارة رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، الحالية للإمارات، في إطار الديناميات التي توجبها العلاقة المتينة بين الجنوب ومصر، إحدى أبرز دول المحور الإقليمي (إلى جانب السعودية والإمارات)، الذي يعمل على إعادة تشكيل المشهد السياسي في السودان بما يلائم مصالحه، بعد الدور الذي أدّاه في إطاحة الرئيس السابق عمر البشير. ويذهب بعض المحللين في جنوب السودان إلى القول إن زيارة ميارديت للإمارات، التي تعدّ الأولى من نوعها منذ استقلال الجنوب في عام 2011، تأتي بإيعاز من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، خصوصاً أن البلدين قد سبقا العديد من دول القارة الإفريقية في الاعتراف بالمجلس العسكري الحالي في السودان، ضمن جهود إبعاد الإسلاميين عن أي حكومة مدنية متوقّع تأليفها، في حال توافُق القوى السياسية على الهياكل الانتقالية والأسماء المرشحة لتولي المناصب القيادية.
الأسبوع الماضي، بعث ميارديت بوفد عالي المستوى، يرأسه مستشاره الخاص للشؤون الأمنية توت قلواك، والوزير في مكتبه مييك أيي دينق، بجانب وزير النفط إيزيكيال قاتكوث، للقاء المجلس العسكري وتسليمه رسالة تأييد رسمي من الحكومة في جوبا. وأعلن مكتبه أن «الرئيس عرض المساعدة في التوسط في عملية الانتقال السياسي في السودان، بعد سقوط الرئيس عمر البشير، تحت ضغط احتجاجات شعبية على مدى أسابيع». وقال إنه مستعد لدعم «الطموحات الديموقراطية» للسودان، والمساعدة في عملية انتقال سلمي هناك. من جهته، أشار مييك أيي دينق، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الوفد أعلم رئيس المجلس العسكري بشأن جهود الرئيس سلفاكير في إجراء عدد من الاتصالات بالقادة الأفارقة، بغية إعادة النظر في المهلة الممنوحة للسودان من قِبَل الاتحاد الإفريقي». وكان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي قد أمهل المجلس العسكري 15 يوماً لتسليم السلطة لحكومة مدنية، تحت طائلة تعليق عضوية السودان في المنظمة الإقليمية.

يريد ميارديت تسخير علاقاته من أجل التوسط في الأزمة السودانية


في هذا الإطار، يرى الصحافي والمحلّل المتخصّص في شؤون جنوب السودان، مصطفى سري سليمان، أن «جنوب السودان أقرب دولة يمكن أن تقدّم مساهمات حقيقية في تجسير الهوة والخروج بمعالجة للمشكلة الراهنة في السودان»، مشيراً إلى أن «سلفاكير مؤهّل لأداء دور إيجابي في ما يدور حالياً في الخرطوم، ذلك أن الرجل يتمتّع بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف السودانية، بحكم أن الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت ـــ قبل استقلال الجنوب ـــ ضمن مكونات المعارضة السودانية في التجمع الوطني الديموقراطي». هذه العلاقات يبدو أن ميارديت يريد تسخيرها اليوم، تحت مظلة المحور السعودي ــــ الإماراتي ــــ المصري، من أجل التوسط في الأزمة السودانية بما يؤمن مصالح جوبا التي أثار سقوط البشير هواجس في شأنها، خصوصاً في ما يتعلّق باتفاق السلام الذي تمّ برعاية الرئيس المخلوع، إلى جانب المسائل الأخرى المرتبطة بالنفط الذي يمرّ عبر الأراضي السودانية، بالإضافة إلى التفاهمات المتعلّقة بقضايا الحدود وحركة التجارة بين البلدين.
من وجهة نظر فولينو أكوت، الصحافي والمحلل السياسي في صحيفة «الوطن» التي تصدر في العاصمة جوبا، فإن «زيارة ميارديت للإمارات تأتي في إطار المبادرة التي طرحها للإسهام في إيجاد مخرج للأزمة الراهنة في السودان». ويقول أكوت، لـ«الأخبار»، إنها «محاولة إيجابية قد تتكلّل بالنجاح، وتحديداً في الجانب المتعلق بنقل السلطة لحكومة مدنية، لأنها تتّسق مع الموقف الذي أعلنه الاتحاد الإفريقي»، مشيراً في هذا المجال إلى «العلاقات والمصالح الاستراتيجية التي تربط بين جوبا والخرطوم». ويعتقد أكوت أنْ «ليس أمام الجنوب سوى دعم الخيارات التي تؤدي للاستقرار الديموقراطي في السودان، لأن ذلك سينعكس إيجاباً على جنوب السودان، كذلك فإن زيارة كير للإمارات ستحقّق مكاسب كبيرة للجنوب، في حال قيادتها جهوده إلى توافق الأطراف على رؤية مشتركة للخروج من الأزمة الحالية».
من جهته، يتوقع الصحافي والمحلل السوداني، لؤي عبد الرحمن، أن «تشهد الأوضاع انفراجاً نسبياً بعد زيارة سيلفا كير». ويرى، في تصريح لـ«الأخبار»، أن الزيارة «جاءت في توقيت جيد، يؤكد قوة العلاقة التي تجمع شعبي البلدين في السودان وجنوب السودان»، معرباً عن اعتقاده بأن «هذه الزيارة ستنجح في إحداث اختراق، بناءً على علاقات سيلفا كير القديمة المتجددة بقوى المعارضة السودانية التي تقود التظاهرات».