نواكشوط | لم يعفِ تأكيد الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، التزامه عدم الترشح لولاية ثالثة احتراماً للدستور، المشهد في البلاد من اضطرابات سياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة منتصف العام الحالي. فالخلافات المتطورة خلال اليومين الماضيين بين السلطة والمعارضة حول تشكيلة «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات»، التي يعتبر تحالف أحزاب المعارضة أنها غير حيادية، كون جميع أعضائها ينتمون إلى أحزاب الأغلبية الحاكمة، باستثناء عضو واحد، تنذر بأزمة سياسية قد تعكر أجواء الانتخابات، وخصوصاً أن عدم استجابة السلطات لمطلب المعارضة بـ«إعادة تشكيلها بشكل سريع ودون تأجيل»، كما أعلن الرئيس الدوري لائتلاف أحزاب المعارضة، محمد ولد مولود، في مؤتمر صحافي في نواكشوط، أول من أمس، واتهامه الحكومة بالمماطلة في «مسعى لتفويت الوقت، ووضع المعارضة أمام الأمر الواقع»، دفع العشرات إلى التظاهر أمام مبنى اللجنة في نواكشوط، أمس، للمطالبة بإعادة تشكيلها قبل موعد الانتخابات في حزيران/ يونيو المقبل. لكن الشرطة استخدمت العصيّ لتفريق المتظاهرين، وقامت بإبعادهم عن محيط مقر اللجنة، فيما هتف المتظاهرون ضد الأخيرة، معتبرين أنها بتشكيلتها الحالية لا يمكن أن تشرف على انتخابات رئاسية ذات صدقية.

عدم ترشح الرئيس ولد عبد العزيز جاء بعد توقف اعتُبر مفاجئاً لحراك برلماني طالب المنخرطون فيه، إثر مبادرات شعبية، بحملة توقيعات على مقترح لتغيير بعض مواد الدستور، بما يسمح للرئيس بالترشح لولاية ثالثة. لكن الرئيس لم ينسحب مطلقاً من المشهد الموريتاني، فهو قرر دعم مرشح أحزاب الأغلبية لرئاسيات 2019، وزير الدفاع السابق محمد ولد الغزواني، بوجه منافسين محصورين حتى الآن، بمحمد ولد مولود، بحسب بيان أصدره حزبه «اتحاد قوى التقدم» أمس، والناشط الحقوقي ورئيس حركة «إيرا» المدافعة عن حقوق الأرقّاء، النائب البرلماني بيرام ولد اعبيدي، المترشح عن حزب «الصواب»، ورئيس الوزراء السابق سيدي محمد ولد بوبكر، بصفته «مرشحاً مستقلاً»، بعدما كان يجري الحديث عن تداول المعارضة لاسمه كمرشحٍ لها، لكن نتيجة اختلافات داخلية فشلت اللجنة التي أنشأتها في اختيار مرشح موحد. وكانت النتيجة الأولية لذلك أن قرر أحد أحزاب المعارضة، وهو حزب «العهد الوطني للديموقراطية ــــ عادل»، دعم مرشح الأغلبية ولد الغزواني، فيما قررت أحزاب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية ــــ تواصل» الإسلامي، و«الاتحاد والتغيير الموريتاني ــــ حاتم» و«المستقبل»، دعم ولد بوبكر. وفيما لم تقرر بقية أحزاب المعارضة خوض الاستحقاق بعد، وخاصة حزب «تكتل القوى الديموقراطي» (التكتل)، وحزب «التحالف الشعبي التقدمي»، قررت «كتلة الزنوج» دعم ترشيح رئيس حزب «القوى التقدمية للتغيير» («افلام» سابقاً)، صمبا تيام، للرئاسة.
لكن ما يبدو ضرورياً توضيحه هنا، هو أن المسألة ليست مقتصرة على الترشح فقط، فهي تتعلق في أحيان كثيرة بإمكانية توفّر الشروط في مَن يترشح من عدمها، وأولها تزكية خمسة عمداء ومئة مستشار بلدي له. وهو شرطٌ لا يبدو أن بإمكان كثيرٍ من المترشحين تحقيقه. فباستثناء ولد الغزواني، المدعوم من النظام الحاكم وقوى الأغلبية، ليس هناك من يمتلك تزكية جاهزة بهذا الشكل، عدا المترشح سيدي محمد ولد بوبكر، الذي يمتلك حزب «تواصل» الداعم له، من بين جميع أحزاب المعارضة، القدرة الذاتية على توفيرها له من القواعد التابعة له، الأمر الذي يدفع إلى السؤال عن استطاعته فعلاً منافسة ولد الغزواني في السباق الانتخابي المرتقب؟

ولد الغزواني... «رئيس قادم»؟
فعلياً، لا إمكانية كبيرة لمنافسة ولد الغزواني حالياً، فأغلب المحللين يؤكدون قوة الرجل، باعتباره من جهة مرشح النظام الحاكم وأجهزته وقوى الأغلبية والمجتمع التقليدي العميق، ومن جهة أخرى كونه يمتلك خبرة في تكتيكات السلطة وأساليب انتزاعها وهندستها، بدليل مشاركته في قيادة انقلابَين عسكريين سابقاً، وقيادته الجيش مدة عقد من الزمن. زد على ذلك، أنه يحظى بامتدادات اجتماعية وأهلية حاضرة بقوة في حزب «تواصل» الأكثر فعالية بين أحزاب المعارضة الموريتانية. ومعطى القوة هذا يبدو مسيطراً على أذهان كثيرين مِمَّن أصبحوا ينظرون إليه فعلاً كـ«رئيس قادم» بالضرورة، مع السؤال الملح هنا عما إذا كان قدومه سيشكل بالفعل نموذجاً مغايراً لسلفه وصديقه الرئيس الحالي؟
الرجل الذي تقاعد نهاية العام الماضي بعد عشر سنوات تقريباً في منصب قيادة أركان الجيش الموريتاني، دخل الحكومة شاغلاً منصب وزير الدفاع. ومنذ تلك اللحظة، والهمس يتصاعد في الفضاءات العامة والخاصة، بأنه سيكون «مرشح السلطة» للرئاسة. وأياً كانت خلفية ترشح ولد الغزواني، فإن ذلك يبدو جلياً بالنظر إلى شخصيته، التي طبعت عليها آثاراً واضحة قيادته لأركان الجيوش، على مدار السنوات العشر الماضية. بدا ذلك في ظهوره الاستثنائي يوم إعلان ترشحه للرئاسة، في الأول من آذار/ مارس الحالي، حين وقف لأول مرة أمام حشود كبيرة، وسعى إلى الظهور بمظهر رجل السياسة، التي ظلّ منقطعاً عن تجاذباتها لسنوات طويلة، واستطاع أن يظهر امتلاكه «خطاباً سياسياً» خاصاً به، حاول فيه الرجل أن يحدد موقعه ورؤيته للماضي والمستقبل، وعلى نحو ما كان متوقعاً من نبرة «تصالحية» و«متوازنة» في التعاطي مع جميع الفرقاء السياسيين، و«موضوعية» في تقويم تجارب الأنظمة السابقة في الحكم. كذلك، تعهد بـ«صون الحوزة الترابية»، و«تعزيز» المكاسب الديموقراطية، و«تحصين» الوحدة الوطنية، و«تحقيق» النهوض الاقتصادي، و«الرفع» من مكانة المرأة، و«الاعتناء» بالشباب، و«إرساء» دبلوماسية فاعلة... وغيرها الكثير من القضايا التي لا تشي بأن له التزاماً أيديولوجياً واضحاً يمكن تصنيفه بواسطته.
مسحة الغموض التي تحوم حول ولد الغزواني، إضافةً إلى ندرة حديثه حول نفسه كمرشح حتى اللحظة، تصعّبان مسألة تصنيفه. لكنه في ما فات له من ظهور قليل في المجال العام، يبدو ذا ميول قومية، كما هو التقليد التاريخي تقريباً في انتماءات بعض رجال المؤسسة العسكرية في البلاد. كما أن للرجل خلفية اجتماعية وصوفية تساعد أيضاً على فهم بعدٍ أساسي من قوة الرجل، ولا سيما كونه ينتمي إلى جهة الشرق المعروفة بخزانها الانتخابي الكبير. لكن الرهان ليس في نجاح الرجل الذي خرج من الحكومة، تاركاً منصب وزير الدفاع لإدارة شؤون حملته الانتخابية، وإنما في مدى قدرته على دمقرطة النظام، مستفيداً من قوته السياسية التي أسّسَ لها محمد ولد الغزواني بإحكام كبير على مدار فترة طويلة. فالسؤال الذي يجول في خواطر الموريتانيين: كيف ستصبح قوة ولد الغزواني معطىً ديموقراطياً؟ يبدو أن الحملة التي سيقودها حتى الانتخابات، هي الإجابة المحتملة عن هذا السؤال.