تحت عنوان رفض خطوة البرلمان المتوقعة اليوم (الاثنين) بإجازة قانون الطوارئ، الذي فرضه الرئيس عمر البشير الشهر الماضي، ورفضاً لسياسات العسكرة التي يقودها النظام الحاكم بإقالة الحكومة المركزية وتعيين مسؤولين أمنيين محلّ حكام الولايات وتوسيع صلاحيات الشرطة، لبّى مئات السودانيين، أمس، دعوة «تجمع المهنيين السودانيين» وحلفائه من المعارضة، إلى الخروج في مسيرات انطلقت من دار حزب «الأمة القومي» المعارض في مدينة أم درمان باتجاه مقرّ البرلمان، من دون أن تردعهم إجراءات الطوارئ التي تمنع التجمعات العامة من دون تصريح.

قانون الطوارئ طُبّق عملياً قبل أن يُجاز من قِبَل البرلمان، وقبل أن يُنشر في الجريدة الرسمية، كما أوضح نائب رئيس الحزب، إبراهيم الأمين، أمس، وذلك بسلسلة إجراءات، من بينها إنشاء محاكم طوارئ في أنحاء البلاد، مثل تلك الموجودة في العاصمة الخرطوم، والتي دانت، أول من أمس، تسع نساء محتجات بعشرين جلدة وبالسجن شهراً، بعد يوم فقط من توجيه البشير بالإفراج عن جميع النساء المحتجزات لمشاركتهن في تظاهرات مناهضة للحكومة.
ورغم تخلي البشير عن قيادة حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، الذي يحتفظ بغالبية ساحقة في المجلس المكوّن من 428 مقعداً، والخلافات البائنة بينه وبين حزبه، تطغى التوقعات بأن يوافق البرلمان، اليوم، على فرض حالة الطوارئ، وهو ما لم يستبعده الأمين أيضاً، متوقعاً أن تؤدي إجازة قوانين الطوارئ في البرلمان إلى استمرار التظاهرات. ويوافقه الرأي عضو كتلة «التغيير»، النائب عبد الجليل عجبين، في حديث إلى «الأخبار»، قائلاً إنه من خلال حضوره المداولات الأخيرة، يرى أن «الاتجاه السائد في البرلمان هو تمرير القانون»، مشيراً إلى أنه «بموجب المادة 58 من الدستور، مقرونة مع المادة 210، من حق الرئيس إعلان حالة الطوارئ». ويوضح أن «النواب بمعظمهم مؤيدون لرأي رئيس الجمهورية، ما عدا قلة متمثلة في المعارضة التقليدية الموجودة في البرلمان، وهم المستقلون وبعض أحزاب الحوار الوطني، الذين لديهم تحفظات خاصة في المواد المتعلقة بالحريات وتفتيش المباني، ويرون أنها منافية للدستور والشريعة»، إذ إن أوامر الطوارئ الأربعة، كما يقول، «قد لا تكون متماشية مع الدستور»، لكن الرئيس، وإن «لم يصرح صراحة بتعليق الدستور، لكنه (عملياً) أوقف جميع الإجراءات، سواء الجنائية أم المدنية، وجميع القوانين، سواء أكانت عقابية أم خاصة، وجعلها وفقاً لقانون الطوارئ، ولا سيما قوانين النيابات والسلطة القضائية».

طبق البشير قانون الطوارئ على المتظاهرين قبل أن يُجاز من قِبَل البرلمان


ولا يستبعد عضو كتلة «التغيير» أن يعلن البشير حلّ البرلمان، الذي ستبدأ دورته الجديدة بعد أسبوعين، «لأنه (البرلمان) لا يمكنه ممارسة دوره الرقابي حتى إذا انعقدت دوراته، فوزارة الداخلية والدفاع وجهاز الأمن جميعها تابعة للبرلمان وتحت رقابته، لكن بموجب الأمر الأول من قانون الطوارئ الذي أصدره الرئيس، لن تكون للنواب حصانة ضد أي إجراء إذا انتفى دور البرلمان الرقابي، وبالتالي، يصبح البرلمان صورياً ووجب حله». وأضاف «أنا بصفة شخصية من أنصار حلّه (إذا مرّر قانون الطوارئ)، لأن الشعب سيحمّل البرلمان وزر قانون الطوارئ» حينها.
من جهته، أوضح القيادي في «المؤتمر الوطني»، الفاضل حاج سليمان، في حديث إلى «الأخبار»، أن «على الرئيس، بعد إعلان حالة الطوارئ، عرضه بموجب الدستور على الهيئة التشريعيه القومية (المجلس الوطني ومجلس الولايات)، وهي بموجب الدستور لديها الحق في إجازة القانون أو إسقاطه أو تعديله، ولا سيما في ما يتعلق بموضوعه والمدى الزمني المحدد له». وبشأن احتمال تعليق العمل بالدستور في حال رفض القانون برلمانياً، يؤكد القيادي في «المؤتمر الوطني» أنه ليس من حق الرئيس «اتخاذ أي قرار آخر» في هذه الحال، متوقعاً أن «يتعامل الرئيس وفق القرار الصادر، لأن تعطيل الدستور أخطر قرار يمكن أن يُتَّخذ في بلد ما، لأن الدستور هو الذي ينظم المؤسسات والسلطة العامة في البلد، وإذا عُطِّل تصبح البلاد من دون مرجعية، وتصبح القرارات من دون سند دستوري». ويشير سليمان إلى أن «حالة الطوارئ، باعتبارها حالة استثنائية، هي حالة دستورية قد تستدعي تجاوز بعض النصوص الدستورية، ولكن وفق الإطار الذي حدّده الدستور، ولا سيما الفصل 14 من الدستور الانتقالي لسنة 2005، إذ تتحدث المواد 210- 212 عن حالة الطوارئ وسلطات رئيس الجمهورية»، موضحاً أن إلغاء الدستور يكون «في حالة الانقلابات العسكرية»، لكن ذلك أيضاً يكون لمدى زمني محدّد، وفق قرارات يصدرها المجلس العسكري في حينها.
لكنّ للمحامي عمر فاروق شمينا رأياً آخر، إذ يرى أن «الدستور حدّد مهدّدات معينة لفرض قانون الطوارئ، كالحرب والحصار والكوارث الطبيعية، وهو إجراء استثنائي لا يعطّل الدستور، بل يمنح رئيس الجمهورية سلطات لا يمكن أن يختصّ بها في الظروف الطبيعية»، مشيراً إلى أنه «في الدول الديموقراطية، لا يمكن اللجوء إلى قانون الطوارئ إلا في الضرورة القصوى».
ويرى الخبير القانوني أن «وثيقة حقوق الإنسان» هي «أهم ما يعني المواطن السوداني، سواء حقه في التعبير أم التنظيم أم المحاكمة العادلة، وهي حقوق تُعطل وتُعلق جميعها بموجب قانون الطوارئ»، لذلك هو يعتبر أن «على رئيس الجمهورية أن يعلن أسباب فرض حالة الطوارئ، على أن تكون واردة في المادة 210 من الدستور» وهو ما لم يحصل. ويضيف أنه «إذا أعلنت حالة الطوارئ، يجب التنبيه إلى تعليق حق التعبير مثلاً بإصدار قانون لذلك، هذا في حال وافقت الهيئة التشريعية على قانون الطوارئ خلال 15 يوماً من إعلانه، أما إذا رُفض القانون، فلا يجوز للرئيس بعد ذلك اتخاذ أي قرار»، مشيراً إلى أن «الرئيس وفق القانون لا يستطيع أن يعطل الدستور، ولكن يمكنه من خلال حالة الطوارئ أن يُعطل بعض الحريات المنصوص عليها في وثيقة الحريات، وهناك حريات يمنعه الدستور من تعليقها كحق الحياة والمساواة». وأخيراً، يؤكد الخبير القانوني أنه «بموجب العهد الدولي للحقوق المدينة والسياسية، الموقع عليه السودان، على الرئيس إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بأنه اتخذ قرار إعلان حالة الطوارئ في البلاد»، وهو ما لم يحصل أيضاً.