يرتبط مستقبل علاقة الرئيس عمر البشير بالإسلاميين، في أحد أبعاده، بعامل خارجي أكثر منه داخلياً. ولعلّ تخلّيه عن حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، أوضحُ خطواته نحو الطلاق النهائي، الذي يريد من خلاله القفز عن تعقيدات المشهد، في ظلّ أزمات لا تبدو قابلة للحل سريعاً، وفق تقديرات المراقبين، إلا بدعم خارجي اقتصادي وسياسي.

وليس خافياً صراع محورين إقليميين على «بوابة إفريقيا»: الأول تقوده السعودية والإمارات ومصر، مقابل ثانٍ تقوده دول مثل قطر وتركيا، مناصرة للإسلاميين. وفيما حرص البشير على اللعب على حبال التقاطعات السياسية الخارجية، تبدو سياسة حمل العصا من الوسط غير ناجحة في حفظ التوازن هذه المرة. إذ رهن محور الرياض، وفق ما يؤكد مراقبون، مساعداته للبشير بفكّ ارتباطه مع الإسلاميين، ما دفع الرئيس إلى إعلان «قوميته»، وتفويض سلطاته في الحزب الحاكم لنائب الحزب الجديد أحمد هارون، وإقصاء بعض الإسلاميين من السلطة.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي حاول فيها البشير إبعاد الإسلاميين عن السلطة. فقد شهد عام 1999 عملية فصل شهيرة بينه وبين عراب الحركة الإسلامية حسن الترابي، حينما دفعت بعض القيادات الإسلامية بـ«مذكرة العشرة» التي ناصرت من خلالها الرئيس. ونتيجة لذلك، استقوى الأخير بالمؤسسة العسكرية، وأدخل الترابي ومجموعته المعتقلات، وتمخض هذا الصراع عن حزب «المؤتمر الشعبي» المعارض. وتكرّر المشهد نفسه في الأمس القريب، مع رئيس حركة «الإصلاح الآن»، غازي صلاح الدين، ومجموعة من مناصريه، عندما احتجوا على قتل المتظاهرين في أيلول/ سبتمبر 2013، واعترضوا على تعديل الدستور لترشيح الرئيس، إلى جانب مطالبتهم بإجراء إصلاحات حقيقية داخل «المؤتمر الوطني»، وقد أدى هذا الخلاف إلى خروج غازي ومجموعته من الحزب.
اليوم، ثمة إشارات تدلّ على مضي البشير في طريق الانعتاق الكامل من الإسلاميين، أكدها نائب رئيس حركة «الإصلاح الآن»، حسن رزق، في حديث إلى «الأخبار»، بقوله إن الرئيس «بدأ تدريجاً في إبعاد الإسلاميين عن السلطة، باختيار ولاة الولايات من المؤسسة العسكرية. وبهذه الخطوة، حاول الرئيس تمكين أصحاب الولاء، وإن كان بعضهم إسلاميين». وأوضح رزق أن هذا الإجراء أتى في سياق التمهيد للانفصال، مشيراً إلى أن «بديل الإسلاميين بالنسبة إلى البشير أصبح جاهزاً، وهو المؤسسة العسكرية». في المقابل، أشار رزق إلى أن «الإسلاميين شعروا بأن المساندة أصبحت غير متكافئة، وتضرّ بالبلد، لذلك بدأوا كمجموعات ينسلخون منه، والآن (هناك) معارضة قوية في صفوف الإسلاميين ضد استمراره في السلطة، سواء كانوا سياسيين أو أعضاءً في البرلمان أو صحافيين أو أكاديميين».

تبرز معارضة قوية في صفوف الإسلاميين لاستمرار البشير في السلطة


من جهته، يتوقع الكاتب علي عبد الرحيم علي، أن يكون الإسلاميون «آخر قرابين البشير، وليس سراً أنه ظلّ يلمِز في المجالس باعتبارهم مسؤولين عن الفساد، وأن يديه مغلولتان بحلفه معهم، فهو بالنسبة إليهم عسكري وليس إسلامياً»، مشيراً إلى أن «هذا الحلف يقف الآن على منسأة سليمان (عصا متآكلة)»، جازماً بأن «تاثيراً خارجياً في الساعة الأخيرة طرأ قبل إجراءاته الأخيرة أمسك هذا الحلف عن أن يخرّ، ولكن هذا لا يعدو أن يكون مدّاً لأجل محتوم».
من جهة أخرى، يرى مدير مكتب الراحل حسن الترابي، والقيادي في حزب «المؤتمر الشعبي» المعارض، تاج الدين بانقا، أن «الإسلاميين في السودان لم يصبحوا على قلب رجل واحد. فهناك عدة أحزاب وتيارات إسلامية انشطرت من حزب الرئيس منذ فترة، ولم تعد تربطها علاقة بالبشير، أما الحركة الإسلامية التابعة للمؤتمر الوطني، فقد حصرت دورها في الإطار الدعوي، والآن فكّ البشير ارتباطه بالمؤتمر الوطني، إلا من شعرة معاوية». ويشاطر بانقا الكثير من المقربين من «المؤتمر الوطني» في اعتباره أن الإسلاميين أنفسهم أصبحت لديهم قناعات مختلفة، وأن بعضهم بات لا يرى مشكلة في التعامل مع محاور خارجية تسعى إلى إبعاد الإسلام السياسي عن السلطة. ولهذا السبب، لا يستبعد مراقبون أن يأتي التشكيل الحكومي المرتقب وفقاً لتفاعلات الصراع الإقليمي، لكن آخرين يستبعدون أن يقدم البشير على إطاحة الإسلاميين في الوقت الراهن، بمبرر أن العلاقة التي تربطهما معقدة، وأن الرئيس يدرك أن إطاحتهم نهائياً ليست مضمونة العواقب، بل تحتاج إلى ترتيب أكبر وبديل أقوى.
في ضوء ذلك، يضع الكاتب والصحافي خالد التجاني، قرارات البشير، في إطار بحثه عن مخرج للأزمة، لكون الحزب الحاكم والحركة الإسلامية ظلا يحتكران الساحة لسنوات. ويرى في حديث إلى «الأخبار»، أن «الإسلاميين يريدون احتكار السلطة بالكامل، فيما يريد البشير أن يطرح حواراً يستوعب الجميع»، كما فعل في الأزمات السابقة. وهو ما جدد تأكيده أمس، خلال ترؤسه اجتماع اللجنة التنسيقية العليا لـ«الحوار الوطني»، بالقول إن الحوار سيكون المرتكز الأساسي خلال الفترة المقبلة، لمعالجة أزمة البلاد الحالية. وأوضح التجاني، رئيس تحرير صحيفة «إيلاف» المحلية، أن خطوات البشير «يمكن أن تعتبر انقلاباً ناعماً» إذا اكتملت، لكنه يرى أنّ من المبكر حسم مآل علاقته بالإسلاميين، التي «تعتمد بالدرجة الأولى على مستقبل الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي واتجاهات السياسية الخارجية».