الجزائر | توالت ردود الفعل الرافضة لترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، شعبياً وسياسياً وقانونياً، في وقت بدا فيه أنصار الرئيس في وضع معزول، ينتظرون كيف سيتلقى الشارع التنازلات الأخيرة. لكن الرافضين لرسالة بوتفليقة، التي نصّت على تعهدات بتغيير جذري في منظومة الحكم، لم يتأخروا في إبداء موقفهم، إذ خرجوا في مظاهرات ليلية، أول من أمس، شملت كل ولايات الشرق والوسط الجزائري تقريباً، في تأكيد لرفض استمرار الرئيس تحت أي ظرف من الظروف.

واستمرت التظاهرات التي نشّطها الطلبة في العديد من جامعات البلاد، أمس، في وقت أعلنت فيه نقابات المحامين في ولايات قسنطينة شرق البلاد، والأغواط الواقعة في الجنوب الغربي، الامتناع عن حضور جلسات المحاكمة، في نوع من العصيان المدني، احتجاجاً على ترشّح الرئيس. كما أعلن رئيسا حزبَي «جبهة المستقبل» و«حركة البناء»، عبد العزيز بلعيد، وعبد القادر بن قرينة، أنهما يستعدان للانسحاب من السباق الرئاسي إذا لم يسحب الرئيس المترشّح ملفه، علماً أنهما قد تقدما رسمياً بترشّحهما للمجلس الدستوري. وولّدت الطريقة التي ترشّح بها الرئيس استياءً كبيراً في صفوف المعارضة، لأن بوتفليقة، بخلاف ما ينص عليه القانون الداخلي للمجلس الدستوري، لم يقدّم ملفه بنفسه، بل كلّف مدير حملته الانتخابية بذلك، فيما لا تزال الأنباء متضاربة عن مكان وجود الرئيس، الذي لم يُعلن بعد دخوله البلاد إثر الرحلة العلاجية التي قادته إلى أحد المستشفيات السويسرية. وزاد غياب الرئيس، حتى عن تقديم ملف ترشّحه، من حدة الجدل حول حقيقة ظروفه الصحية، حيث رأى معارضوه أن السلطة تمادت في تكييف كل القوانين على مقاس رجل مريض غير قادر على الترشّح بنفسه، فكيف بتسيير شؤون البلاد؟
وانطلقت زعيمة حزب «العمال» المحسوب على اليسار، لويزة حنون، من هذه النقطة، لتناشد المجلس الدستوري عدم قبول ملف الرئيس، لأن ظروفه الصحية لا تسمح له بمزاولة مهماته. واللافت أنها المرة الأولى التي تتحدث فيها حنون بهذا الشكل، وهي المعروف عنها تعاطفها مع الرئيس. ولم يخرج الاجتماع الذي عقدته أمس شخصيات وأحزاب معارضة عن هذا الموقف، إذ طالبت في بيان بتفعيل المادة 102 من الدستور، التي تنص على شغور منصب الرئيس بعد إثبات المانع الصحي عليه. ودعت إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية بناءً على ذلك، فيما استقبلت بالرفض رسالة بوتفليقة، وشكّكت في حقيقة أن يكون الرئيس هو من كتبها أو أمر بها، واعتبرت ما جاء في مضمونها «مجرد مناورات لإجهاض الحراك الشعبي، والالتفاف على أهدافه وتضحياته، ومحاولة لتمديد عمر هذا النظام».

تعتقد المعارضة أن السلطة تراهن على عامل الوقت لإضعاف الحراك وتقسيمه


ويسود انطباع لدى المعارضة والمواطنين الرافضين لترشّح الرئيس بأن ما أُعلِن هو محاولة فقط لإسكات الحراك الشعبي، بتقديم وعود بأن بوتفليقة لن يمكث على الأكثر سوى عام إضافي بعد الانتخابات المقبلة، ثم الانقلاب على ذلك بعد أن يخمد هذا الغضب، بمعنى أن السلطة تراهن على عامل الوقت لإضعاف الحراك وتقسيمه. ويستشهد المشككون في نيات الرئيس الحقيقية بما جرى في سنة 2011، عندما تعهد في خضم أحداث ما يسمى «الربيع العربي» بإصلاحات جذرية، ثم تنصّل من ذلك في ما بعد، معززاً موقفه بالنهايات المأساوية التي انزلقت إليها بعض الدول العربية بفعل هذا «الربيع». ويقوّي تلك الشكوك غياب الضمانات الملموسة التي تجعل وعود الرئيس تتحقق بالفعل على الأرض، خصوصاً في ظلّ عدم قدرته على التواصل المباشر مع المعارضة، الأمر الذي يجعل الارتياب في تعهداته مشروعاً. وهذا ما عبّر عنه رئيس الحكومة السابق، وأحد أبرز منافسي الرئيس في انتخابات 2004 و2014، علي بن فليس، بالحديث عن أن الرسالة الأخيرة هي محاولة من القوى غير الدستورية للبقاء في الحكم. والمقصود بهذه القوى عائلة الرئيس، خاصة شقيقه الأصغر ومستشاره السعيد بوتفليقة، وعدد من كبار رجال الأعمال المحيطين به.
وعلى الطرف المقابل، حاول أنصار الرئيس استغلال «التنازلات» في الظهور من جديد على الساحة، ولكن بحذر شديد مخافة استفزاز المتظاهرين. ورأى الوزير الأول الحالي، أحمد أويحيى، الذي يواجه حملة شعبية عاصفة، أن «رسالة بوتفليقة تحمل أجوبة شافية لمطالب التغيير»، معرباً عن أمله في أن تُسهم في «بسط السكينة من أجل تمكين بلادنا من المضيّ في هدوء واستقرار نحو الموعد الانتخابي ليوم 18 نيسان/ أبريل المقبل، الذي يعتبر محطة تعبيد المسلك نحو الإصلاحات والتغيير، مع الحفاظ على استقرار البلاد ووجودها».