القاهرة | قبل أيام قليلة، مرّ عام على توقيف المعارض الإسلامي البارز، رئيس حزب «مصر القوية»، عبد المنعم أبو الفتوح، من دون أن يحال على محاكمة حقيقية أمام القضاء، بل يتجدّد حبسه احتياطياً على ذمة اتهامات وعبارات فضفاضة من بينها «السعي إلى قلب نظام الحكم». حالة أبو الفتوح تتكرر حالياً مع ناشطين من تيارات معارضة للنظام، وتحديداً حزبَي «الكرامة» و«الدستور». صحيح أن اسم الأول ارتبط بالمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، والثاني بنائب الرئيس المستقيل محمد البرادعي، لكن الرجلين ليس لهما علاقة بالحزبين حالياً، فيما يتعرض الشباب المنتمون إليهما، رغم أنهم يعملون على استحياء في الشارع، لحملة شرسة تؤكد أنه لم يعد هناك مجال لممارسة أي عمل سياسي يعارض الدولة ورئيسها.

مع ذلك، خاض أعضاء «الدستور» قبل أسابيع انتخابات نادراً ما تحدث داخل الأحزاب المصرية، ارتبطت برئاسة الحزب، وفاز فيها علاء الخيام، بعدما قرر الأعضاء تنحية الخلافات التي نشبت بينهم جانباً، والتركيز على العمل السياسي حالياً، إلى جانب المشاركة في حملات ميدانية لمناهضة التعديلات الدستورية المقررة. لكن سرعان ما تمّ القبض على خمسة من أعضاء الحزب لا يزال مكانهم مجهولاً.
رسالة واضحة يقول فيها عبد الفتاح السيسي إنه لن يسمح بخلق أي كيان منظم قادر على انتقاده. يتّبع الرئيس سياسة الرعب والترهيب المباشرة للأعضاء، وأي شخص يتعاطف معهم، في وقت باتت فيه جميع الأحزاب التي تحمل توجهات المعارضة في قبضة الدولة على نحو غير قانوني. وقد كان المدخل إلى ذلك إثارة خلافات داخلية بين قيادات تلك الأحزاب، وإطلاق حملات تشكيك في شرعيتها، باستثناء «الدستور» الذي نجا من هذا الأسلوب حتى الآن.

تسعى الأجهزة الأمنية إلى خلق الفتنة داخل الأحزاب وضرب سمعة قياداتها


أما «الكرامة»، فألقي القبض على أربعة من أعضائه الشباب، من بينهم طالب في الثانوية العامة، بعد خروجهم من مقرّ الحزب، عقب مشاركتهم في احتفالية أقيمت بمناسبة ذكرى «ثورة يناير»، فيما جاء القبض على المعارضَين يحيي حسين عبد الهادي والدكتور رائد سلامة من منزليها تحت بند اتهامهما بـ«الانتماء إلى جماعة محظورة، والسعي إلى قلب نظام الحكم».
ورغم أن السيسي يتحدث باستمرار عن «دولة القانون»، فإن هذا القانون يُنتهك يومياً على أيدي من يُفترض بهم أن ينفذوه، ليس بتقييد الحريات فقط، بل باستخدام عبارات فضفاضة لصياغة تُهم تزجّ بالمعارضين في السجون، من دون إحالتهم على القضاء، خاصة عندما تعجز الأجهزة الأمنية عن توفير أدلة إدانة لعدد كبير من المتهمين، وعلى رأسهم الذين لا يظهرون في قنوات تلفزيونية تبث من خارج مصر. وفي «دولة القانون» نفسها، يلقي جهاز «الأمن الوطني» القبض على المعارضين من منازلهم أو في الشارع، ويعمل على احتجازهم لأيام قبل أن يظهروا لاحقاً ويواجهوا قائمة جاهزة من الاتهامات المختلفة، بداية من «الإساءة إلى الرئيس وانتقاد النظام»، وصولاً إلى «الانتماء إلى جماعة محظورة تعمل على قلب نظام الحكم».
في هذه المعاملات، كما تفيد شهادات كثيرة، يواجه المعارضون أسوأ أنواع الإهانة، كما لا يستطيعون التواصل مع ذويهم أو محاميهم مطلقاً، بينما تبقى أماكن احتجاز غالبيتهم سرية. وإن صار يُسمح لمحامين بين حين وآخر بلقائهم، لكن النيابة تماطل في التحقيقات، وترفض الإفراج عنهم حتى إشعار آخر، مستغلة صلاحية قانونية باستمرار الحبس الاحتياطي على ذمة الاتهامات.