منطق واحد يحكم الإعدامات التي نُفذت في مصر بعد محاكمات صورية استندت إلى اعترافات متهمين تعرّضوا لتعذيب وحشي، وخنق الحريات السياسية والإعلامية والنقابية، والاعتقالات العشوائية، وهو منطق ما سُمّي «الحرب على الإرهاب». نحن أمام نسخة محلية وإقليمية لمنطق الحرب العالمية على الإرهاب التي شنّتها إدارة بوش الابن بذريعة عمليات 11 أيلول 2001. قدمت الولايات المتحدة آنذاك تعريفاً فضفاضاً ومطاطياً للإرهاب، ليشمل عملياً جميع أعدائها وخصومها على صعيد الكوكب. بقية القصة باتت معروفة: غزو العراق بعد غزو أفغانستان، دعم مطلق لسياسة آرييل شارون حيال الفلسطينيين، العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006... أما على المستوى الأمني والقانوني، فقد طُوِّرَت ترسانة قانونية قمعية، ووُسِّعَت صلاحيات أجهزة الأمن إلى درجة فرض حالة استثناء حقيقية تسمح للحكومة الأميركية باللجوء إلى الإجراءات التي تراها مناسبة لترويع خصومها في داخل أراضيها وخارجها، والتنكيل بهم إذا استطاعت ذلك.

كنا أمام مسعى لاعتماد إدارة أمنية وعسكرية للصراعات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم، في جزء من مشروع المحافظين الجدد لفرض «قرن أميركي جديد» على بقية دول المعمورة وشعوبها بالقوة. هذا المسعى لاعتماد الإدارة الأمنية والعسكرية للصراعات السياسية والاجتماعية، التي تشهدها بدرجات حدة متفاوتة جميع مجتمعات العالم، يشكل نموذجاً إرشادياً لمنظومة القوى المحافظة العربية، أي محور السعودية ـــ الإمارات ـــ مصر. الانفجارات الاجتماعية الكبرى التي وقعت في البلدان العربية مع بدايات عام 2011، والتي سمّاها البعض ـــ نتيجة بلادته الفكرية أو انحيازاته الأيديولوجية ـــ «ربيعاً عربياً» تيمّناً بربيع براغ 1968، راعت أطراف المنظومة المحافظة إلى حدّ دفعها إلى تبني نهج الاستئصال حفاظاً على استقرار الأوضاع القائمة، وعدم الشروع في أيّ إصلاحات جدية تحدّ من احتكارها للسلطة، وللمغانم الهائلة الناجمة عنه.

الاستئصال والاستقرار
لم يكن لـ«الإخوان المسلمين»، الذين انضموا إلى الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر بعد انطلاقتها، مشروع ثوري تغييري في أيٍّ من البلدين. لقد قدم هؤلاء مجموعة من أوراق الاعتماد ورسائل حسن النيات إلى القوى الدولية المهيمنة والطبقات المسيطرة محلياً، لتأكيد احترامهم لجميع التعهدات التي قطعتها المجموعات الحاكمة التي أُزيحَت بفضل الانتفاضات. وفي مصر تحديداً، حرص «الإخوان» الذين كانوا أكبر قوة شعبية منظمة في البلاد، على تظهير أنفسهم باعتبارهم الطرف الأكثر قدرة على حكم البلاد، مع الاستمرار في سياسات الانفتاح الاقتصادي والنيوليبرالية، والاستعداد للمضي في التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وعدم المسّ باتفاقيات كمب ديفيد. جلّ ما أعلنه «الإخوان» أنهم سيكافحون الفساد، ويطبقون تعاليم البنك الدولي الخاصة بـ«الحوكمة الرشيدة»، ويلتزمون قواعد اللعبة الديمقراطية. البرنامج السياسي والاقتصادي ـــ الاجتماعي الذي أعلنوه أوضح أنهم في أحسن الأحوال أحد أحزاب يمين الوسط، وأنهم يتخذون من تجربة «حزب العدالة والتنمية» في تركيا نموذجاً يُحتذى. لكنهم اصطدموا، منذ فوز مرشحهم محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، بعداء «الدولة العميقة»، مُمثَّلة أساساً بمؤسسة الجيش، لهم.
لم ينجحوا في السيطرة على أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية، ولا على المؤسسات الإعلامية، وعارضتهم غالبية طبقة رجال الأعمال، وقطاعات معتبرة من الطبقات الوسطى الوثيقة الارتباط بالدولة ومؤسساتها. فشل «الإخوان» فشلاً ذريعاً في بناء تحالف شعبي عريض من أجل الإصلاح، لأنهم تطلّعوا في الحقيقة إلى نوع من الشراكة مع المؤسسة العسكرية في حكم مصر. إلا أن هذه الأخيرة، وهي القوة الأخرى الأعظم تأثيراً ونفوذاً في البلاد، والتي كانت تسيطر في تلك الفترة على نحو 40% من الاقتصاد، لم تكن راغبة في الشراكة. اتُّهم «الإخوان» بمحاولة «أخونة» الدولة، وأطيحوا بانقلاب عسكري بعد احتجاجات شعبية ضخمة ضدهم. ومنذ تلك اللحظة، اعتُمِدَت سياسات استئصال بكلّ ما للكلمة من معنى بحقهم، اتسعت تدريجاً لتشمل قسماً واسعاً من القوى السياسية والاجتماعية التي شاركت في انتفاضة 25 يناير. وبحجّة الحرب على الإرهاب، أجهز النظام المصري على مساحات الحرية التي ازدهرت بعد الانتفاضة، وعاد إلى سياسات القمع والتنكيل بالمعارضين.
وقد أصبحنا نعرف اليوم أن الانقلاب في مصر حظي بتشجيع ودعم سخي جداً من النظامين الإماراتي والسعودي، اللذين شعرا بتهديد وجودي بعد الانتفاضات الشعبية العربية، وعملا منذ لحظاتها الأولى على محاربتها وتنظيم الهجوم المضاد للقضاء عليها. وعلى عكس ما اعتقده الكثيرون، لم تعارض الولايات المتحدة الانقلاب العسكري في مصر، بل حظي هذا الأخير بتأييد غالبية أعضاء إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وبدعم الـ«بنتاغون»، كما كشف كبير مراسلي «نيويورك تايمز» في كتابه المهم «بين أيدي العسكر». استند الكتاب إلى مقابلات عديدة أجراها ديفيد كيركباتريك مع أعضاء في تلك الإدارة، أكدوا له أن الرسائل الودية لـ«الإخوان» لم تلقَ آذاناً صاغية، لانعدام الثقة بهم، بحجة أنهم يبطنون غير ما يظهرون. حتى إن الاستخبارات الأميركية، بحسب كيركباتريك، عرفت بالانقلاب قبل شهرين، ولم تحرك ساكناً لمنعه.
من البديهي أن تستدعي سياسات الاستئصال ردود فعل عنيفة عليها. هذا الكلام ليس تبريراً للإرهاب الذي اتُّخذ في حالات عدة منحىً طائفياً ضد الأقباط المصريين بهدف إثارة الفتنة وتهديد وحدة المجتمع. المجموعات التي لجأت إلى العنف متعددة الخلفيات، وبعضها تكفيري لم يكن يؤمن أصلاً بضرورة المشاركة في العملية السياسية، والوصول إلى السلطة بالانتخاب. غير أن شنّ حرب حقيقية على تنظيم عريق كـ«الإخوان»، يمتلك قاعدة شعبية عريضة اكتسبها عبر عقود طويلة من العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، ما كان ليمرّ بسلام. لقد تجذرت بعض أوساط هذه القاعدة، ولجأت بدورها إلى العنف رداً على سياسة الاستئصال. بعد أكثر من خمس سنوات، يبدو أن النظام المصري تمكن من الخروج منتصراً من المواجهة مع التنظيم، ومن إحكام قبضته الحديدية ــــ بذريعة هذه المواجهة ــــ على الحياة السياسية. الانتصار لم يوقف الإمعان في السياسات القمعية، والاستخدام الممنهج للتعذيب، وتنفيذ إعدامات بعد محاكمات صورية. يبدو أن إدامة دوامة العنف والعنف المضاد، مع ما تسبّبه من خوف بين المواطنين، هي غاية بذاتها للنظام المصري، يستمدّ منها مشروعيته كضامن للاستقرار الهش.