منذ إطلاقها قبل شهر ونصف شهر، تحقق الحملة العسكرية التي أطلقتها قوات المشير خليفة حفتر، جنوب غرب البلاد، نتائج فاقت المتوقع. فبعد سيطرتها على حقلَي الشرارة والفيل النفطيين، ومدينة سبها وبلدات مهمة أخرى، أكملت أمس سيطرتها على مدن الشريط الحدودي مع الجزائر. ومع تقدم العمليات، تكثفت في الأسابيع الماضية تصريحات معاوني حفتر حول نيتهم التوجه إلى شمال غرب البلاد، الذي تديره حكومة «الوفاق الوطني»، وينشط فيه عدد ضخم من الميليشيات المناطقية والأيديولوجية.

في موازاة هذا التصعيد الخطابي المدفوع بفورة النجاح في الجنوب الشاسع والقليل السكان، شدّ الفاعلون في غرب البلاد أحزمتهم، وبدأوا الإعداد لمقاومة زحف حفتر، الذي يعتبرونه نذيراً لدولة عسكرية يحكمها هو وعائلته بتحالفات قبلية شبيهة بتلك التي انتهجها نظام معمر القذافي. وأمام هذا الوضع، كان لِزاماً على القوى الإقليمية والدولية، التي تورطت في إطاحة القذافي والنفخ في نار ما لحق ذلك من صراعات، التدخل لضبط الأوضاع قبل أن تنفلت أكثر. البداية كانت من مصر القلقة من إمكان نشوب حرب في طرابلس وغرب البلاد، والآثار التي ستلحقها من جراء ذلك بحسب ما كشفت تسريبات. فهذه المنطقة، وعلى عكس مناطق القتال السابقة، تؤوي أكثر من نصف سكان ليبيا، إضافة إلى آلاف المقاتلين المنظمين بما يملكون من عتاد يشمل طائرات ودبابات وتشكيلة واسعة من الأسلحة.

كثفت واشنطن التواصل مع حكومة «الوفاق» في إشارة إلى تمسكها بها(أ ف ب )

شمل القلق أيضاً الولايات المتحدة وإيطاليا، اللتين كثفتا من التواصل مع حكومة «الوفاق» واستقبال وزرائها، في إشارة إلى تمسّكهما بها، ما يمثل ضوءاً أحمر لحفتر. لكن الأهم، هو ما تسرب عن خشية فرنسية أيضاً، رغم دعم باريس لعمليات الجنوب، نقلتها الأخيرة إلى الإمارات صاحبة التأثير على حفتر.
وفق ما يُتداول في الكواليس الليبية، تولّد من ذلك تنسيق بين فرنسا والإمارات ومصر لجمع الرجلين الأهم في البلاد، أي حفتر وفائز السراج. تم استدعاء المعنيين إلى أبو ظبي الثلاثاء الماضي، لكن رغم الضغط المسلّط عليه من حلفائه، التزم حفتر بتعنّته، فهو لن يرضى بأقل من الاعتراف به قائداً عاماً للجيش من طرف حكومة «الوفاق». لكن السراج، بدوره، لا يمكن أن يهب ما لا يملك، فإسباغ تلك الصفة التي يحملها هو نفسه على حفتر سيفقده مكانته في طرابلس، ويجعله بلا أوراق ولا حلفاء، وربما يصير رأسه مطلوباً في غرب البلاد.
وعلى عكس ما انتظر الجميع، لم يظهر الرجلان معاً في اجتماع الثلاثاء، بل ظهر السراج وإلى جانبه مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، الموجودة في طرابلس، والتي تحظى باعتراف دولي حصري لتسويق منتجات الطاقة. ورافق الصورة بيان أعلن فيه صنع الله موافقته على إعادة تشغيل حقل الشرارة، وهو مطلب رفعه حفتر بعد سيطرته على الحقل، ورفضه صنع الله.
ثبّت لقاء أبو ظبي تقدّم حفتر من دون أن يدفع مسار الحل قدماً


من جهتها، أصدرت بعثة الأمم المتحدة بياناً مقتضباً (تلاه توضيح من الناطق الرسمي باسم السراج، محمد السلاك، بالمعنى نفسه) أكد اتفاق الجانبين على نبذ الحلول العسكرية، والالتزام بالمسار السياسي، أي عقد استفتاء وانتخابات هذا العام. لكن ثمة ثغرات كثيرة تعتري هذا الإعلان. ففي الشكل، لم تصدر صور عن اللقاء مثلما جرت العادة في مؤتمرَي باريس وباليرمو ولقاء أبو ظبي الأول قبلهما عام 2017، وهو أمر مثير للشك في حدّ ذاته، والأرجح أنه تم بناءً على طلب حفتر. إضافة إلى ذلك، لم يتطرق اللقاء إلى مسألة من يقود الجيش، ولا إلى «الملتقى الجامع» الذي تنوي البعثة عقده في أقرب وقت، ويشمل فاعلين غير ممثلين من مختلف مناطق البلاد، وهو ما يُرجّح أنه جاء بطلب من حفتر أيضاً؛ حيث يخشى البرلمان الداعم له، المتمركز في شرق البلاد، من أن يسحب «الملتقى» الشرعية منه ويصير برلماناً موازياً.
وبعد موافقته على إعادة تشغيل حقل الشرارة، عاد صنع الله أمس ليؤكد أن إعادة تشغيل الحقل لن تتم قبل خروج القوات التي تسببت في إيقافه نهاية العام الماضي (تشير تسريبات إلى اعتقاده أن الإغلاق أمر دبره حفتر، حتى يصير حجة ليأتي بقواته ويعيد فتحه)، ما يعني أن اللقاء ما زال يراوح مكانه، وأن تصريحه في الإمارات لم يكن سوى خضوع كلامي لا أثر فعلياً له.
بات واضحاً أن لقاءات أبو ظبي فشلت في تحقيق أهدافها، فهي لم تأت بجديد يدفع مسار الحل السلمي قدماً، وثبّتت التقدم الذي يحرزه حفتر، ما قد يقود إلى جولة عنف جديدة، ستكون في حال وقوعها أكثر دموية من كل فصول الحرب الليبية السابقة، وستحرك السكين في جروح بدأتها القوى الإقليمية والدولية، وفشلت في مداواتها.