سبعة أعوام مرّت على اعتلاء عبد ربه منصور هادي سدّة الحكم خلفاً لعلي عبد الله صالح. سبعة أعوام كانت متخمة بالأغلاط السياسية، التي تصل في حالة الأول إلى حدّ خطايا، استجلبت إلى اليمن كوارث ومعاناة. أما النتيجة، فرئيس صُوري تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في الرياض يُستخدم غطاءً للحرب السعودية ـــ الإماراتية، وآخر أوصله الرقص على رؤوس الثعابين إلى مقتلة شنيعة لم يكن هو ربما ليتصورها، وما بينهما حزب، هو من أقدم الأحزاب اليمنية وأعرقها، بات اليوم يعيش حالة ضياع وتفكك، بفعل الانقسامات في صفوفه، والتنازع الإقليمي على اجتذاب هيكله التنظيمي.

في الـ27 من شباط/ فبراير من العام 2012، انتقلت السلطة، رسمياً، من علي عبد الله صالح إلى عبد ربه منصور هادي. استقرّ الرأي، حينها، بعد مدّ وجزر، على أن يستمرّ صالح في رئاسة حزب «المؤتمر الشعبي العام» بما يحفظ وحدة الحزب، ويمنع عنه عدوى الصراع والانشقاقات. لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما بدأ يتشكّل جناح آخر برئاسة هادي، عندما تم اختيار الأخير، وهو في السعودية، من قِبَل بعض أعضاء اللجنة الدائمة والعامة، رئيساً للحزب في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2015. أما التصدّع الأكبر في صفوف «المؤتمر» فكان بعد مقتل صالح على يد «أنصار الله» في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، حيث تم انتخاب صادق أمين أبو راس في صنعاء، وهادي في عدن.
إلا أن القيادي «المؤتمري»، وزير التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة الإنقاذ، حسين حازب، ينكر، في حديث إلى «الأخبار»، وجود أجنحة داخل «المؤتمر»، قائلاً إن «قيادة الحزب موجودة في الداخل، وله أعضاء في الخارج»، معتبراً أن «الملتزم من أعضائه بالنظام الداخلي للحزب، وما يصدر عن قيادته في صنعاء، يظلّ عضواً مؤتمرياً». ويضيف أن «من اتجه نحو مخالفة قيم المؤتمر وثوابته، التي يأتي على رأسها رفض العدوان والحصار، أو ارتهن للخارج، فهو ليس مؤتمرياً»، كاشفاً أن «قيادة المؤتمر ستعلن ذلك وفقاً للأطر التنظيمية». ويرى أن «المؤتمر كتلة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين»، متابعاً أن «الحزب تعدّى مرحلة الخطر التي تلت استشهاد صالح والأمين العام عارف الزوكا». ويؤكد أن «موقف مؤتمر صنعاء من هادي موقف واضح، ولم يعد له أي علاقة بالمؤتمر»، مشيراً إلى أنه «قد تم فصله بقرار من اللجنة الدائمة، بعدما جلب العدوان إلى وطنه». ويلفت إلى أن «اللجنة العامة (المكتب السياسي) أقرّت بالإجماع تكليف الشيخ صادق أبو راس برئاسة المؤتمر استناداً للنظام الأساسي، وهو الممثل الوحيد للحزب»، كاشفاً أن «هناك تحضيرات لاجتماع اللجنة الدائمة الرئيسية لترتيب عقد مؤتمر عام للحزب».
هذا المؤتمر العام، المزمع عقده قريباً في صنعاء، «سيعيد للمؤتمر دوره الريادي والوطني» بحسب المنظمين، غير أن الانقسامات في بنية الحزب تقول غير ذلك. فبينما يسعى «مؤتمر صنعاء» إلى عقد مؤتمر عام ليضفي على نفسه الشرعية، تسعى قوى «مؤتمرية» أخرى إلى رسم ملامح جديدة للحزب خارج إطار جناح صنعاء، وذلك بتحرك متواصل من قِبَل الأمين العام المساعد لـ«المؤتمر» سلطان البركاني، والأمين العام المساعد أيضاً أبو بكر القربي، وهما يمثلان جناحاً ثالثاً مقرّه الإمارات ومصر، إلى جانب جناح أبو راس في صنعاء، وجناح هادي في الرياض.
في خضمّ ذلك، تسعى قوى إقليمية ودولية، على رأسها السعودية والإمارات إضافة إلى قطر وسلطنة عمان، إلى استقطاب قيادات «المؤتمر» في الداخل والخارج، وهيكلته وفقاً لأجندتها ومصالحها في اليمن، الأمر الذي من شأنه تكريس الانقسام في البنية التنظيمية للحزب. فبينما تدعم الرياض هادي، تقدّم أبو ظبي دعماً غير محدود لأحمد علي عبد الله صالح. أما قطر فاتجهت، بعد الأزمة الخليجية ومقتل صالح، إلى دعم «مؤتمر أبو راس»، قبل أن تفتح أخيراً «قنوات تواصل مع الأمين العام المساعد ياسر العواضي، بصورة منفردة» بحسب ما تكشفه مصادر مطلعة لـ«الأخبار». وتسعى عُمان، من جانبها، إلى التوفيق بين «مؤتمر أبو راس» و«أنصار الله»، مع عدم إغفال احتواء أنصار صالح الذين هاجروا من اليمن بعد مقتله.

النهاية كما البداية
هكذا بدا شكل «المؤتمر» بعد مقتل مؤسِّسه ورئيسه. ومثلما تكوّن من مجموعة من الأيديولوجيات السياسية المختلفة عند تأسيسه في آب/ أغسطس 1982، فهو عاد وتحلّل إلى تركيبات متنوعة. لقد كان متوقعاً أن يتم ذلك بُعيد إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، مع إقرار التعددية السياسية، لكن شبكة المصالح التي ربطت تلك المكونات المنضوية تحت مظلّة «الميثاق الوطني» المنبثق من حزب «المؤتمر» هي ما جعلها تتماسك، لتبدأ أول هزة فعلية للحزب إبان «ثورة الشباب» عام 2011، حيث توالت الانشقاقات، وتلتها عدة ضربات أضعفت «المؤتمر»، بدءاً من استقالة صالح من السلطة التي كانت إحدى ركائزه الرئيسة في إدارة الحزب، وصولاً إلى صعود خَلَفه، هادي، ومنازعته السلطات التنظيمية، وليس انتهاءً بالضربة القاصمة التي جاءت بمقتل صالح نفسه.
رئيس «المركز اليمني لدراسة وتحليل الأزمات»، صلاح علي صلاح، يرى، في حديث إلى «الأخبار»، أن «هناك حالة عامة من التفكك والارتخاء يعاني منها حزب المؤتمر في هذه المرحلة، وهي نتيجة طبيعية جداً للوضع الذي عاشه الحزب لعشرات السنوات منذ تأسيسه حتى الآن». ويعزو صلاح تلك الحالة إلى «مشكلتين رئيسيتين، وهما عدم اهتمام الحزب بالجوانب التنظيمية والتثقيفية العامة لأعضائه، واعتماده أكثر في استقطابهم على الوظيفة العامة أو المصالح والفوائد التي كانوا يحققونها من خلاله. والمشكلة الثانية هي حالة النرجسية وحب التفرد التي مارسها صالح، والتي جعلت المؤتمر لسنوات طويلة هو صالح، وصالح هو المؤتمر، الأمر الذي منع بروز قيادات تنظيمية وإدارية وسياسية عليا وحتى وسطية داخل الحزب، فقد نصّب صالح نفسه صمّام أمان المؤتمر، كما كان قد نصّب نفسه صمّام أمان البلد». ويضيف صلاح أن «هاتين المشكلتين جعلتا الحزب اليوم معروضاً في أسوء فاترينات الاستقطاب والنخاسة السياسية التي تمارسها عدد من الأطراف المحلية والخارجية، ويعاني بسببها أفراده الكثير من الحيرة والتذبذب في المواقف والعلاقات المتضادة في ما بينهم، وكذلك في ما بينهم وبين المحيط السياسي والمجتمعي العام».