بعد نحو أسبوعين على انعقاد «قمة سوتشي» الثلاثية التي خرجت بتوافق على ضرورة «اتخاذ خطوات ملموسة للحدّ من الانتهاكات في المنطقة منزوعة السلاح» في محيط إدلب، يبدو المشهد على خطوط التماس ـــ حتى الآن ـــ مخالفاً بالكامل لهذا التصوّر.

فخلال الأسبوع الأخير، انزلقت الاستهدافات المتقطعة بالقذائف الصاروخية إلى اشتباكات موضعية محدودة على عدد من المحاور، ترافقها جولات قصف صاروخية وجوية. وامتدت رقعة الاستهداف من البلدات المجاورة لخطوط التماس، إلى مواقع أبعد على جانبي تلك الخطوط. كما شهد اليومان الماضيان عودة لافتة للغارات الجوية على مواقع متعددة بين أرياف حماة وإدلب وحلب. وبينما طاولت قذائف المسلحين بلدات محردة والسقيلبية وسلحب، وصولاً إلى جورين وبلدات سهل الغاب، استهدف الجيش السوري مواقع الفصائل المسلحة في بلدات خان شيخون وسراقب في ريف إدلب، وكفرزيتا والصخر والزيارة في ريف حماة. وشهدت جبهة بلدة أبو الضهور في شرق إدلب تصعيداً لافتاً، تضمّن استخدام أسلحة ثقيلة ومضادة للدروع.

استهدفت غارات جوية أمس عدة مواقع في خان شيخون وسراقب في ريف إدلب (أ ف ب )

وليس التوتر في منطقة «خفض التصعيد» وحده المنافي لروح «اتفاق أستانا»، فبينما توافقت روسيا وإيران وتركيا على «التصدي بفعالية» لمحاولات «هيئة تحرير الشام الإرهابية» فرض سيطرتها على منطقة «خفض التصعيد»، تشير المعطيات الميدانية إلى أن «تحرير الشام» تشارك بفعالية في مختلف الجبهات، وبخاصة في ريف إدلب الشرقي والجنوبي. ونشرت «وكالة إباء» المحسوبة على «تحرير الشام» صوراً لقصف نقاط الجيش السوري بالمدفعية، كما تبنت «تحرير الشام» استخدام صواريخ مضادة للدروع ضمن «المنطقة منزوعة السلاح»، في مخالفة صريحة لكامل «اتفاق سوتشي» من حيث الانتشار في تلك المنطقة أو الاحتفاظ بأسلحة ثقيلة ضمنها. وشاركت فصائل تتبع «الجبهة الوطنية للتحرير»، التي تديرها أنقرة مباشرة، مع «تحرير الشام» في التصعيد، إلى جانب الجماعات التي رفضت الالتزام بـ«اتفاق سوتشي»، وشكّلت «غرفة عمليات وحرّض المؤمنين» في منتصف تشرين الأول الماضي. وتبنّت «الغرفة» الأخيرة، التي تضمّ «حراس الدين» و«جبهة أنصار الدين» و«أنصار التوحيد» و«جماعة أنصار الإسلام»، أمس، استهداف مناطق سيطرة الجيش السوري، داعية إلى تصعيد العمليات العسكرية.
وبينما توحي تلك التطورات باحتمال انزلاق التصعيد نحو مواجهة واسعة، تشير المعطيات القليلة الواردة من الجانب التركي إلى أن أنقرة تضع خططاً لِلجم هذا التوجّه والمحافظة على «الاستقرار» الهش في إدلب. وبعدما نقلت مصادر أهلية الرسائل التي توصلها «نقاط المراقبة» التركية في ريف حماة، والتي تفيد بأن الجيش التركي يتجه لتسيير دوريات على طول خطوط التماس، أفادت أوساط معارضة بأن القوات التركية تعمل على زيادة عدد نقاط تواجدها، عبر إنشاء نقاط إضافية تتوسط النقاط المقامة أصلاً. وأشارت تلك الأوساط إلى أن القوات نشرت تجهيزات لوجستية في المواقع التي تم اختيارها، ودخلت أول من أمس قافلة عسكرية من باب الهوى تضمّ جزءاً من تلك التجهيزات. ولم يصدر أي بيان رسمي من الجانب التركي يؤكد تلك الخطوة، فيما يستبعد أن تقوم أنقرة بمثل هذه الخطوة ـــ إن صحّت المعلومات عنها ـــ من دون تنسيق عبر القنوات الناشطة مع «ضامني أستانا».
جاويش أوغلو: واشنطن تفتقر إلى استراتيجية لسحب قواتها


وبينما تغيب التصريحات التركية حول إدلب، ينتظر أن تشهد أنقرة غداً (ولمدة يومين) اجتماعاً لمجموعة العمل المشتركة الأميركية ــ التركية، على أن يتصدّر ملف مدينة منبج أجندة اللقاء، وفق ما نقلت وسائل إعلام تركية. وبينما أظهرت أنقرة رفضها المشروع الأميركي بنشر «قوة متعددة الجنسيات» في «المنطقة الآمنة» المقترحة على الحدود السورية ــ التركية، نقلت صحيفة «حرييت» عن مسؤول تركي لم تسمّه قوله إن «تركيا لا تزال عضواً في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة»، مشيراً إلى وجود نية أميركية لمنح بلاده «مكانة رمزية في تشكيلة تلك القوة». وفي السياق نفسه، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمس، إنه «لا يمكن لأنقرة السماح لأحد بتولي مسؤولية الإشراف على المنطقة الآمنة»، مضيفاً في مقابلة مع قناة «NTV» التركية أن هدف بلاده المرحليّ «ضمان إخراج الوحدات الكردية من منبج، ووفاء واشنطن بوعدها المتمثل بجمع الأسلحة». كذلك، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن الولايات المتحدة الأميركية «تفتقر إلى استراتيجية لسحب جنودها من سوريا»، مضيفاً أن بلاده حاولت المساعدة في هذا الشأن، ولكن «هناك حاجة إلى فهم مشترك حول المنطقة الآمنة وغيرها من الملفات».