في تأكيد للخيار الأمني في مواجهة الأزمة السياسية والاقتصادية المتجددة، يمضي الرئيس السوداني، عمر البشير، خطوة بخطوة في اتجاه الحكم العسكري، بعد فشل كل محاولات السيطرة على الاحتجاجات المستمرة للشهر الثالث على التوالي. الخطوات المنهجية وُصفت بـ«انقلاب أبيض»، وقد دشّنها البشير بخطاب في القصر الجمهوري الأسبوع الماضي بتعيين أعضاء عسكريين وأمنيين في مناصب حكومية عليا، وإعلان حالة الطوارئ، إلى أن أتبعها أمس بتأسيس نيابات طوارئ في العاصمة الخرطوم والولايات التي عين عليها عسكريين، وإجراء تعديلات واسعة في صفوف كبار قادة الجيش، الجهة الأقدر على حسم الموقف.

تمكين الجيش في دوائر السلطة، والاتجاه السريع نحو المؤسسة العسكرية، مثّلا هرباً من الجيش إليه، وعكسا مخاوف البشير، الذي تولى السلطة عبر انقلاب عام 1989، من انقلاب يطيحه بدعم من العسكر على غرار حسمه المواقف في ثورتي 1964 و1985. أما التعيينات، بدءاً من وزير الدولة بالدفاع، ورئيس الأركان المشتركة ونائبه، ورئيس أركان القوات الجوية، فتعكس قلقاً عميقاً لدى البشير من انشقاقات داخل المؤسسة العسكرية على وقع الضغوط الداخلية والخارجية التي قد تدفع قيادات الجيش إلى الانحياز إلى الشعب، خصوصاً أن صغار الضباط والجنود أبدوا قرباً من الشارع، كما أكد مسؤول العلاقات الخارجية في تكتل «نداء السودان»، ياسر عرمان، قبل أسبوعين.

تضع عسكرة السلطة الجيش بين خيار بقاء البشير واحتمال حرب أهلية (أ ف ب )

وهذا يمثل مؤشراً خطيراً طبقاً للتجارب السابقة، فيما لوحظ مرات عدة وجود ضباط جيش وشرطة وسط المتظاهرين، بل سبق أن حال أفراد من الجيش بين متظاهرين وأفراد من الأمن، آخرها الشهر الماضي، في اشتباك قتل فيه عنصر من جهاز الأمن في بورتسودان على يد الجيش. وعموماً، تضع عسكرة السلطة الجيش عملياً بين خيار بقاء البشير على رأس السلطة، وإدارته الأزمة الاقتصادية والسياسية المستجدة، ولا سيما في مواجهة خصومه السياسيين، وبين خيار الحرب الأهلية التي لن يسمح بها الجيش في ظل وجود عدد من التشكيلات شبه العسكرية التي تُعَدّ خصماً له في صلاحياتها، والتي عملت حكومة البشير على قوننتها، لإبعاد احتمالات الانقلابات من الجيش، كإعادة تشكيل قوات حرس الحدود وفق قرار رئاسي عام 2007 تحت مسمى «استخبارات حرس الحدود»، وإنشاء «قوات الدعم السريع» التي تعمل تحت إمرة القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية) منذ كانون الثاني/يناير 2017، وقد برزت أخيراً كأقوى الوحدات في مواجهة الاحتجاجات.
تعكس التعيينات الجديدة قلق الرئيس من انشقاقات في العسكر


أيضاً يتحسب الرئيس من التململ الذي يعيشه حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم حالياً، وسط توقع مراقبين حصول انشقاق داخله حول هدفين: الأول اختيار قيادة جديدة للحزب، والثاني تغيير اسم الحزب. وبعيداً عن التوقعات، بات مما لا شك فيه أن «المؤتمر الوطني» لم يعد حاكماً، وأن البشير لن يكون رئيساً للحزب في مؤتمر العام المقبل (يرجَّح أن يعقد بعد رمضان المقبل). لكن هذا الواقع لا يستبعد، كما يرى مراقبون، أن البشير أراده للتحلل من «المؤتمر الوطني» ولإطاحة الإسلاميين، كي يصبح رئيساً قومياً بما يجعل نظامه المتحول منذ 2014 يتوافق أكثر مع الولايات المتحدة والسعودية والإمارات.
وهو كما نجح عام 1999 في إقصاء من جاء به إلى الحكم، الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي، يسعى اليوم إلى التخلي عن موقعه في رئاسة الحزب الحاكم. فالبشير لمّح إلى ذلك في خطابه الأخير، بالقول إنه سيقف على «مسافة واحدة من جميع الأطراف»، وترجمه في رفض التشاور مع حزبه في اختيار النائب الأول للرئيس أو رئيس الوزراء أو الولاة العساكر، كما أكد عضو المكتب السياسي في الحزب، أمين حسن عمر، أول من أمس، لصحيفة «الانتباهة» المحلية. وما عزز ذلك، تعيين وزير الدفاع عوض محمد أحمد بن عوف نائباً أول له بديلاً من بكري حسن صالح الذي يحظى بتأييد الحركة الإسلامية، خصوصاً أن جميع التوقعات كانت تذهب إلى أن صالح سيخلف البشير في حال عدم ترشحه لدورة رئاسية جديدة، وهو ما أراد أن يبعد الجدل حوله عبر دعوته البرلمان إلى تأجيل التعديلات الدستورية التي تسمح له بولاية ثالثة، علماً أن سقف مطالب المعارضة بوضوح ليس رفض تعديل الدستور، بل المطالبة بتنحّيه قبل موعد الانتخابات في 2020. وحتى ذلك الحين، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة حاسمة بين البشير والشارع.