الجزائر | يوماً بعد يوم، تكبر كرة الثلج في الجزائر، بعدما كسر الجزائريون حاجز الخوف القائم منذ سنوات العشرية السوداء، وأصبحوا يخرجون إلى الشوارع رافعين مطالب سياسية، وصلت ذروتها بمناهضة مشروع إبقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم، وإسقاط صوره من على المباني، ودعوته علناً إلى الرحيل.

وبعد يومين من مسيرة شارك فيها الآلاف، عاد الجزائريون أمس إلى الساحات، وتحديداً ساحة موريس أودان الشهيرة في قلب العاصمة، للتظاهر، ليس بالطريقة العفوية التي ميّزت حراك يوم الجمعة الماضي، ولكن استجابة لحركة «مواطنة» المعارضة، التي سبق لها التهديد بالنزول إلى الشارع في حال ترشّح الرئيس.

استجاب المتظاهرون لحركة «مواطنة» التي سبق أن حذرت من ترشح بوتفليقة (أ ف ب )

جمعت الحركة السياسية المئات من المواطنين، الذين هتفوا بشعارات ضدّ بوتفليقة واستمراره في الحكم، فدوّت صيحات «جمهورية وليست مملكة»، و«هذا الشعب لا يريد بوتفليقة والسعيد»، في إشارة إلى شقيقه المتّهم بتسيير البلاد من وراء الستار، بالإضافة إلى شعارات «20 سنة بركات (كفاية)»، المقصود بها عمر النظام القائم. لكن قوات الشرطة، التي انتشرت بكثافة في العاصمة أمس، قابلت التظاهرة بالقمع والاعتقالات، إذ تعرّض كلّ من جيلالي سفيان وزبيدة عسول، الوجهين البارزين في حركة «مواطنة»، للاعتقال، شأنهما في ذلك شأن الكثير من مناضلي حزب «جيل جديد» و«الاتحاد من أجل الرقي»، المعروفين بمعارضتهما الراديكالية للنظام. وعلى عكس تظاهرات الجمعة الفائت، استخدمت قوات النظام القنابل المسيلة للدموع بكثافة لتفريق الجموع، ومنعها من التواصل والتحول إلى قوة لا يمكن ضبطها.
تخشى السلطة تحوّل الحراك الشعبي إلى سياسي مؤطّر تقوده رموز المعارضة


لا شك في أن السلطة لجأت إلى أسلوب القمع خشية من تحول الحراك الشعبي إلى حراك سياسي مؤطّر تقوده رموز في المعارضة، وهو ما سيجعل السلطة حينئذٍ مضطرة إلى التفاوض مع المعارضة لتسيير هذه الفترة الحرجة، وبالتالي تقديم تنازلات مؤلمة. مع ذلك، يرى متابعون أن السلطة لا تزال تعتمد حتى الآن أسلوباً مهادناً مع الحراك الشعبي، يذهب أحياناً إلى حدّ الإعجاب بالطريقة السلمية الحضارية التي خرج بها، لكن مع تحريف تام لمضمونه الذي يُسوَّق حالياً على أنه دعوة إلى الإصلاح السياسي، من دون التطرّق بتاتاً إلى مطلب رحيل بوتفليقة وعائلته من الحكم.
في الجانب المقابل، حاول أنصار الرئيس القيام بهجوم مضاد، لكن حركتهم تبقى محدودة الأثر حتى الآن. ونزل الوزير الأول السابق، عبد المالك سلال، وهو مدير حملة الرئيس بوتفليقة، والأمين العام لـ«الاتحاد العام للعمال الجزائريين»، عبد المجيد سيدي السعيد، وهو من أكبر داعمي الرئيس أيضاً، إلى مدينة حاسي مسعود البترولية جنوب البلاد، من أجل حشد المواطنين دعماً لبوتفليقة. والتجأ سيدي السعيد، في خطابه إلى العمال في ذكرى تأميم الشركات النفطية، إلى الأسلوب التقليدي للسلطة، والذي يُحذر المواطنين من الخروج إلى الشارع والتظاهر، خوفاً من العودة إلى سنوات التسعينيات التي عصف فيها الإرهاب بالجزائر. لكن هذه الاستراتيجية التي استخدمتها السلطة في الجزائر لتجنّب موجة ما سمّي «الربيع العربي»، يبدو أنها أصبحت غير قادرة على إقناع المواطنين، بدليل أن مواطني الجنوب قابلوا ممثلي بوتفليقة بهتافات الاستهجان، وطالبوهم بالرحيل.
يسود قلق كبير لدى أنصار الرئيس من مآلات هذا الحراك الشعبي، خاصة مع الحديث عن إمكانية سحب بوتفليقة ترشحّه في الأيام المقبلة. أحد السيناريوات المطروحة يشير إلى أن الرئيس، الموجود حالياً في جنيف السويسرية لإجراء فحوصاته الدورية المعتادة، يمكنه أن يستغل هذه الرحلة ليُعلن أنه أصبح غير قادر صحياً على الاستمرار. وينتظر أن يكون الجمعة المقبل حاسماً في تحديد مصير ترشّح الرئيس، نظراً إلى أن التظاهرة المتوقّعة فيها ستسبق، بـ48 ساعة فقط، التاريخ النهائي لإيداع ملف الترشّح رسمياً لدى المجلس الدستوري في البلاد. وحتى الآن، لم يصدر أي رد فعل من المؤسسة العسكرية على هذا الحراك الشعبي، وهو ما يزيد حالة التوتر والقلق لدى أنصار الرئيس.