على رغم المقاومة العسكرية التي أبدتها «قوة حماية الجنوب»، والضغط السياسي الذي مارسه نواب البرلمان عن مرزق، سقطت المدينة في أيدي قوات المشير خليفة حفتر. في البداية، لم تستطع هذه الأخيرة النفاذ إلى المدينة، حيث مُنيت بخسائر في الأرواح والعتاد، لكن الخرق تحقق عبر الحصار وتضييق الخناق، ما اضطر القوات المحلية إلى التراجع جنوباً ومغادرة المدينة.

وعلى عكس ما صرّحت به قوات حفتر من أنها لقيت ترحيباً من الأهالي، وأن الأوضاع في مرزق مستقرة، تأتي الأخبار الواردة من هناك مناقضة تماماً. النائب البرلماني عن المدينة، محمد لينو، أكد، أمس، أن تشكيلات حفتر، المدعومة من بعض فصائل المعارضة السودانية، أحرقت منزله ومنازل والده وإخوته، ضمن حملة شملت حرق حوالى 90 منزلاً، إضافة إلى اقتحام منازل وممتلكات أخرى.

بات حفتر يسيطر على أكبر مواقع النفط وموانئ التصدير في البلاد (أ ف ب )

وأضاف لينو، تأكيداً لما قالته زميلته النائبة رحمة أبو بكر آدم في بيان تجميد عضويتها بداية هذا الشهر، أنه توجد حملة قتل على الهوية؛ فعلاوة على وصول 19 جثة إلى مستشفى المدينة، تنتشر عدة جثث متحلّلة في شوارعها. وحمّل قائدَ العمليات في المنطقة، اللواء عبد السلام الحاسي، المسؤولية عن ذلك.
إضافة إلى مرزق، تأكدت فعلياً سيطرة قوات حفتر على حقل الفيل النفطي، وهو الثاني من ناحية طاقة الإنتاج (حوالى 90 ألف برميل يومياً) بعد حقل الشرارة (أكثر من 300 ألف برميل)، الذي سيطرت عليه أيضاً تلك القوات ضمن حملتها في الجنوب. بذلك، صار حفتر يسيطر الآن على أكبر مواقع النفط في البلاد، وموانئ التصدير، إضافة إلى أكبر مدن الشرق والجنوب.
بدأت حكومة «الوفاق» العمل على تحصين جنوب طرابلس من الاختراقات


مشروع حفتر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تكثّفت في الأسابيع الماضية تصريحات مسؤولين في قواته حول اقتراب موعد زحفهم نحو العاصمة طرابلس، التي تمثل الهدف النهائي لهم، وذلك لاحتوائها مقار «الشركة الوطنية للنفط» و«مصرف ليبيا المركزي» و«المؤسسة الليبية للاستثمار»، التي لم تنجح خطة خلق مؤسسات موازية لها في شرق البلاد في تجريدها من الإدارة الحصرية لملفاتها، بفضل الدعم الدولي التي تحظى به، وتبعيتها لحكومة «الوفاق الوطني».
مقابل ذلك، فشلت محاولة حكومة «الوفاق»، ورئيسها فائز السراج، في احتواء عملية حفتر جنوب البلاد، حيث لم يستطع الآمر الجديد الذي عيّنته، علي كنه، حشد دعم كافٍ له، بسبب صفقات عقدها حفتر مع جهات محلية سمحت له بمدّ سيطرته من دون قتال كبير. لكن ذلك لا يعني تسليم الأمر لقوات شرق البلاد، إذ انتشرت أخبار، أمس، عن بداية إرسال قوات من مدينة مصراتة إلى منطقة الجفرة وسط البلاد، والعمل على تحصين جنوب طرابلس من الاختراقات، إضافة إلى حملة حشد سياسي وعسكري في بعض المدن أدت إلى مقتل اثنين من داعمي حفتر في مدينة غريان، رغم أن ذلك يتم من دون إعلانات رسمية أو تغطية من حكومة «الوفاق».
تحسّساً لخطر هذا الزحف، بدأت قوات حفتر إطلاق تحذيرات لقوات غرب البلاد. وأصدر سلاح الطيران التابع لحفتر، أمس، إيجازاً صحافياً حذّر فيه من اقتراب أي قوة من منطقة العمليات، مضيفاً أنه سيباشر تسيير طلعات جوية استطلاعية لرصد أي تحركات «مشبوهة»، مؤكداً أنه على أهبة الاستعداد لضرب أي مجموعة تخالف هذا التحذير.
كلّ هذا الحشد والتصعيد يعزّز احتمال اندلاع مواجهات عسكرية شاملة بين معسكرَي شرق البلاد وغربها، وهو أمر لم يحدث منذ أعوام بفضل جهود الأمم المتحدة وبعض الفاعلين الدوليين، الذين يبدو أن بعضهم، على غرار فرنسا التي أبدت ارتياحها للعملية في الجنوب، صار مستعداً لدعم تحرك حفتر نحو طرابلس، وذلك على عكس الولايات المتحدة التي كثفت في الأسابيع الماضية من تحركاتها السياسية الداعمة لحكومة «الوفاق».
ويكمن خطر توفير دعم سياسي للعمليات العسكرية في تضييق مجال الوصول إلى حل سياسي سلمي يوحّد مؤسسات البلاد، وتصعيد الضغوط على جهود بعثة الأمم المتحدة التي يقودها غسان سلامة، والتي تسعى إلى المضي قدماً في تنفيذ برنامجها الذي يحوي تنظيم «ملتقى وطني» جامع في الأشهر القليلة المقبلة، وإجراء استفتاء على الدستور وانتخابات تشريعية ورئاسية خلال هذا العام.