الحسكة | لم تنته معاناة أهل ريف دير الزور بخروجهم أحياء من آخر معاقل «داعش» في بلداتهم على الضفة الشرقية لنهر الفرات. وبعدما دفعوا ضريبة كبيرة لأعوام، نتيجة تحوّل مناطقهم قسراً إلى واحد من أبرز مراكز «الإرهاب العالمي»، وما صُبّ فوقهم من قذائف جراء ذلك، اضطروا إلى النزوح عبر واحدة من أقسى المناطق نحو مخيمات غير مجهّزة لاستقبال أعدادهم الكبيرة. وإلى جانب نقص الخدمات الكبير، يواجه الكثير من النازحين تهمة الانتماء إلى «داعش» أو احتضان التنظيم، ولا يمكنهم لردّ ذلك سوى التأكيد أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، وآثروا البقاء في محاولة للحفاظ على ممتلكاتهم وأرزاقهم، مذكّرين بأن من حاول الفرار لقي «قصاص» التنظيم.

قاطنو مخيم الهول الجدد في ريف الحسكة الشرقي يبحثون اليوم عن دعم يوازي مستوى القلق الذي تعبّر عنه بيانات منظمات الأمم المتحدة، وغيرها. حملت سناء (36 عاماً) طفليها من قرية الباغوز عبر طريق صحراوي وعر بحثاً عن الأمان بعيداً من المعارك والقصف. وعلى رغم إدراكها المسبق أنها قد لا تصل إلى هدفها، فإن يأسها دفعها إلى المغامرة. تشرحُ سناء التي قصدت إحدى مشافي الحسكة لعلاج طفليها، في حديث إلى «الأخبار»: «أثناء فراري من الباغوز، تعرضت طفلتي للإصابة، وطفلي الآخر يعاني من سوء التغذية، لكننا على رغم كل الصعوبات وصلنا». وتضيف أن «الواقع هناك مأسوي جداً. لم يعد هناك شيء سوى الموت». أما لمى (32 عاماً)، التي ترافق طفلها المصاب بالتهاب الكبد نتيجة غياب الخدمات الطبية والأدوية، فمضت بدورها سيراً على الأقدام إلى رحلة النجاة. وتقول لمى: «قدمت من بلدة موزان التابعة لهجين. بقينا نمشي يومين، لأنه ما معنا ندفع للمهرّبين، بس الحمد لله وصلنا». وإلى جانب أطفال سناء، يواصل فريق طبي يتبع برنامج «منظمة الصحة العالمية» تقديم العلاج لنحو 65 طفلاً يعانون من سوء في التغذية، وحالات طبية أخرى. ومن المتوقع ازدياد أعداد الوافدين في ظلّ تواصل موجة النزوح من ريف دير الزور الشرقي. ويتحدّث كثير من النازحين عن تفاصيل رحلتهم نحو مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية»، حيث رأوا جثثاً كثيرة ملقاة على الأرض، وقبوراً لأناس ماتوا خلال مسيرهم نحو المخيم، ودفنهم ذووهم هناك. وكانت «مفوضية شؤون اللاجئين» قد أكدت في تقرير لها أن «29 طفلاً ومولوداً جديداً ماتوا أثناء خروجهم من الجيب المحاصر أو بعد وصولهم بفترة وجيزة، بسبب سوء التغذية أو انخفاض حرارة الجسم».
معاناة مخيم الهول
على بعد أكثر من 250 كيلومتراً عن جيب «داعش»، يتم نقل الفارّين إلى مخيم الهول في ريف الحسكة الشرقي؛ وهو مخيم كان قد تم إعداده من قِبَل الحكومة السورية لاستقبال النازحين الفلسطينيين الفارّين من حرب العراق في العام 2003، قبل أن تحوّله القوات التي سيطرت على المنطقة في العام 2015 إلى مخيم للفارّين من الحرب في الموصل العراقية وريفَي الحسكة ودير الزور. وتؤكد المعلومات أن عدد قاطني المخيم ارتفع إلى أكثر من 38 ألفاً، مع استمرار موجة النزوح من قرى وادي الفرات، ما ولّد أزمة في الحصول على خيمة أو مأوى. يقول أبو أحمد، وهو أحد قاطني المخيم: «تم تجميعنا في خيم كبيرة خُصِّصت لاستقبال الوافدين، لكن لا طعام ولباس ولا مأوى مناسب حتى الآن». ويضيف أن «البرد نخر عظامنا في رحلة الفرار، وفي الخيمة الباردة». أما أبو خالد، فيحتجّ على «طريقة توزيع المساعدات التي تأتي كمواد غذائية جافة، في وقت يحتاج فيه النازحون للوجبات التي عادة ما تقدمها المطابخ في المخيمات». ويوضح أحد العاملين في الشأن الإنساني ضمن المخيم، في حديث إلى «الأخبار»، أن هناك «ضغطاً كبيراً يعاني منه المخيم، بسبب وصول أكثر من 25 ألفاً من ريف دير الزور، ونقل نازحين من مخيم العريشة إلى الهول الذي يقطنه أصلاً المئات من العراقيين». ويكشف أن «المنظمات الدولية وشركاءها المحليين في الجمعيات، يقدمون خدمات طبية عبر ست نقاط طبية، إلى جانب توزيع مساعدات غذائية من فرق الهلال الأحمر». ويشير إلى الحاجة الماسة لتعزيز دعم المنظمات الدولية للمخيم، بما يسهم في استيعاب الأعداد الكبيرة الوافدة وتلبية حاجاتها.