القاهرة | في مواجهة الاحتجاجات المستمرّة للأسبوع السادس على التوالي، التحدّي الأكبر الذي يواجهه حكمه، يمضي الرئيس عمر البشير في المسار الذي بدأه في الأيام الأولى؛ أولاً، بالبحث عن مساعدات اقتصادية لسحب فتيل الاحتجاجات، والذي حدّدته حكومته بأزمات الخبز والوقود والسيولة النقدية. وثانياً، حشد الدعم العربي والإقليمي لتعزيز موقفه الدولي، مع تغيّر العنوان العريض للاحتجاجات، من الأزمة الاقتصادية وفساد منظومة الحكم المستمرّ منذ ثلاثة عقود، إلى الاحتجاج على استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، الذين سقط منهم «أكثر من 50 شخصاً» بالرصاص الحي، وفق ما أعلن زعيم حزب «الأمة» المعارض، الصادق المهدي، المنضمّ أخيراً إلى صفوف المحتجين.

وفي جولة متقطّعة يسعى من خلالها البشير إلى جني ثمار تناقضات الدول الخليجية والعربية، خصوصاً تلك المتنافسة على موطئ قدم على البحر الأحمر، وصل البشير أمس في زيارة مفاجئة إلى مصر، ثاني محطة عربية بعد الدوحة، التي كانت السبّاقة في المبادرة إلى دعم نظامه في أول أيام الاحتجاجات. لكن ذلك لم يمنع البشير، الذي يعرف كيف يمسك العصا من الوسط في تعامله مع الداعمين المتخاصمين، من تجديد نغمة محاولات استنساخ «ما يسمى الربيع العربي» من خلال الاحتجاجات، وذلك من القاهرة التي تتهم الدوحة بدعم «الإخوان المسلمين»، الجماعة التي عُزل الرئيس المنتمي إليها محمد مرسي من السلطة، بقيادة عبد الفتاح السيسي.
زيارة البشير، الثانية إلى مصر في أقلّ من ثلاثة أشهر، جاءت هذه المرة بدعوة من الرئيس السيسي، للتباحث حول أوجه التعاون الاقتصادي بين البلدين خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع ميل القاهرة إلى دعم الخرطوم سياسياً واقتصادياً، ومساندة نظام البشير بشكل مباشر، وهو ما ظهر في الزيارة الرفيعة المستوى التي قام بها وزير الخارجية سامح شكري، ورئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، بعد أسبوع من اندلاع الاحتجاجات الشهر الماضي.

أعلن حزب «الأمة الفيدرالي» انسحابه من حكومة البشير


وعلى رغم أن البشير اصطحب وفداً من الوزراء، وعقد جلسة مباحثات موسّعة ضمّت الوزراء السودانيين ونظراءهم المصريين، كانت الجلسة إجرائية بشكل كبير، ولم تتضمن أي جديد على المستوى الرسمي. مصادر مصرية أوضحت، لـ«الأخبار»، أنه تمّت «مناقشة ملف سد النهضة، بالإضافة إلى اتفاق على مصالح متبادلة سياسياً بين البلدين، مع استمرار الدعم المصري للخرطوم خارجياً». أما الاجتماع الموسع فتضمّن نقاشات تقليدية عن تقييم النتائج التي وصلت إليها المشروعات التنموية الكبرى المشتركة بين البلدين، وفي مقدّمتها الربط الكهربائي، والربط بين السكك الحديدية، وكذلك التعاون القائم في مجال بناء ودعم القدرات والتدريب في جميع القطاعات، بحسب بيان الرئاسة الرسمي. أما في ما يتعلق بملف سد النهضة، فجرت مناقشات موسعة حول التعاون في مجال مياه النيل، إذ استعرض السيسي والبشير نتائج اجتماعات «الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل»، وتم التوافق على استمرار الدعم المصري للسودان. واستقبل السيسي البشير، على رغم مذكرات المعارضة التي أطلقها عدد من السياسيين المصريين (غالبيتهم خبراء في الشأن الأفريقي)، وطالبوا فيها برفض استقباله في القاهرة، بسبب عمليات القمع التي يقوم بها تجاه الشعب السوداني. ومن بين هؤلاء النائب سيد فليفل، المعين في البرلمان بقرار من رئيس الجمهورية.
المساعي الحثيثة لحل الأزمة الاقتصادية من خلال استقطاب مساعدات عربية، ترجّح مصادر «الأخبار» أن تكون «بطيئة المفعول» إن تمّت، لا تزال تصطدم أيضاً بإصرار المعارضة السياسية والشعبية على مواصلة الاحتجاجات، في حين بدأت تتضح رؤيتها لمستقبل البلاد، وباتت قادرة على خلق تصدعات في صفوف جبهة البشير، تمثل آخرها في إعلان رئيس «حزب الأمة الفيدرالي»، أحمد بابكر نهار، أمس، انسحاب الحزب من المناصب التنفيذية والتشريعية في الحكومة، وإرجاعه ذلك إلى «خروج الحوار الوطني عن مساره الطبيعي، والتضييق على الحريات، والضرب الباطش للمحتجين السلميين»، ووصفه الاحتجاجات بـ«الثورة»، علماً بأن 30 قيادياً من الحزب الذي ينتمي إليه ثلاثة وزراء (في حكومات ولايات)، و8 نواب في البرلمان، و15 آخرين في برلمانات الولايات، يرفضون خطوة رئيسه بـ«فضّ الشراكة». ومن بين هؤلاء وزير الثقافة، الأمين السياسي للحزب، عمر سليمان، الذي أكد أنه «متمسك بتوصيات الحوار الوطني»، ومساعد رئيس الحزب، إسحق آدم بشير، الذي كلّفه سليمان بـ«قيادة الحزب في الفترة المقبلة». لكن الاحتجاجات التي باتت تتّسم بحالة من الاستمرارية، وتستقطب أحزاب معارضة وموالاة، ليس معلوماً إذا ما كانت ستتلاشى قبل انتخابات 2020، التي يسعى البشير قبلها إلى إجراء تعديل دستوري لتجديد ولايته إلى أجل غير مسمى، ما يفتح الباب أمام مرحلة تبدو أصعب على البشير.