قريباً سيدخل كمال زيدان سجون العدو الإسرائيلي عقاباً له على رفضه الامتثال للخدمة العسكرية الإلزامية. تطور يعود بالذاكرة، تلقائياً، إلى منتصف عام 2017 عندما قُتل جنديان درزيان في عملية «الجبّارين» التي نُفّذت في حرم المسجد الأقصى. صحيح أنه مضى أكثر من عام ونصف عام على العملية، إلا أن هوية القتيلين بقيت دليلاً على حالة الشرخ التي أحدثتها إسرائيل بين أبناء الشعب الواحد. فكيف تمكّنت من تحقيق هذا «الإنجاز»؟

قبل مدة قصيرة، بلغ الفلسطيني كمال زيدان الثامنة عشرة. إنه العمرُ الذي يبدأ فيه الشباب التخطيط للدراسة الجامعية، أو السفر، أو تحقيق الاستقرار المادي... أمّا بالنسبة إلى الشبان الدروز في فلسطين المحتلة، فهو العمر الذي يؤمرون فيه بالامتثال للتجنيد الإجباري، إذ يتم تجميعهم في المدارس، ثم يُنقلون عبر حافلات وزارة الأمن إلى مراكز التجنيد. من يوقّع بالموافقة في نهاية رحلة الحافلة، يصير جندياً مهمته أن يقتل شعبه، أو يقف على خطّ المواجهة في حروب إسرائيل ضدّ أعدائها، الذين هم في الحقيقة امتداد له ولشعبه. جراء ذلك، قد يُقتل وتوضع جثته في تابوت خشبي يلفّه علم الدولة التي تحتلّ أرضه... سلسلة طويلة ينهيها رفض أمر التجنيد. لهذه الأسباب وغيرها، قرّر زيدان أن يرفض، ولذلك سيدخل السجن، إلا إذا أُعطي مستند «غير مؤهل نفسياً» يصمه بأنه «لا يصلح للخدمة». هكذا، ستمضي ثلاث سنوات من عمره كان يمكن أن يستغلّها في تطوير هوايته في لعب كرة القدم، أو يتخصّص في الاقتصاد، لكنه سيقضيها في السجن.

مارست سلطات الاحتلال إجراءات تعسفية ضدّ «المتهرّبين من الخدمة»


في اتصال مع «الأخبار»، يتحدث زيدان عن الضغوط التي مارسها الأساتذة عليه في المدرسة، قائلاً: «كانوا يقولون إن عليكم أن تقصّوا شعوركم مثل تسريحة خاصة بالجنود، كي نتجهّز لأجواء الخدمة.... في الجلسات الاجتماعية هناكَ كُثر يروجون لفكرة أن علينا أن نخدم في الجيش خوفاً على مستقبلنا، وأن الدولة ستعترض طريقنا في كثير من الوظائف لاحقاً». مع ذلك، لاقت خطوته احتضاناً من العائلة والمجتمع كما يقول، إلا من بعض «الأصوات النشاز»، مشيراً إلى أن الثمن الذي سيدفعه في السجن «بخسٌ أمام تضحيات أبناء شعبنا».
والده، يامن، كان ذات يوم سجّاناً لعميد الأسرى الشهيد سمير القنطار، لكنه تحوّل إلى محامٍ يدافع عنه أمام محاكم العدو. ويامن نفسه فقد أخويه صالح وفؤاد اللذين قُتلا في حروب إسرائيل، وقد قُتل أحدهما في عملية نفّذها حزب الله في التسعينيات. لذلك، توصف مسيرة يامن بأنها «عودة بعد اغتراب»، واليوم يختار ابنه البقاء ضمن هذه «العودة»، كمئات آخرين من شباب طائفته، بحسب بيانات التجنيد التي تعمل إسرائيل على إخفائها.

كذبة من البداية
يكشف البحث في الأرشيفات الإسرائيلية، التي فُتحت نتيجة «قانون التقادم»، الكثير من الحقائق المغيّبة في تاريخ تجنيد دروز فلسطين المحتلة. أهم تلك الأرشيفات أرشيف الجيش، وأرشيف «شاي» (خدمة المعلومات)، اللذان يثبتان، من جهة، أن إسرائيل كانت معنية بتجنيد كل الشبان العرب الفلسطينيين في وحدة «الأقليات» بمعزل عن كونهم دروزاً أو غير ذلك، ومن جهة ثانية أن حركة الرفض ليست جديدة بل نابعة من مبدأ وطني.
في هذا السياق، يشرح الأسير المحرر سعيد نفّاع أنه، بناءً على ما ورد في الأرشيف، يظهر أن «الحركة الصهيونية أرادت دائماً مجنّدين عرباً لدواعٍ سياسية لا أمنية، وعملت على ذلك حتى في عزّ عدوانها ضدّ الفلسطينيين (النكبة)، الأمر الذي يدحض الرواية القائلة إن الدروز بالذات هم من طلبوا التجنّد لحمايتهم كأقلية». أما عن الرواية الشائعة التي تقول إن 16 من الشيوخ وأعلام الطائفة توجّهوا إلى سلطات الاحتلال طالبين أن يتجنّد الشباب في الجيش، وأنهم وقّعوا اتفاقية ليكونوا جزءاً من الدولة، فـ«لا يوجد أي مستند أو وثيقة عن ذلك». نفاّع، وهو أيضاً نائب سابق عن حزب «التجمع الوطني الديموقراطي»، يستدلّ بما جاء في أحد البروتوكولات التابعة لجهاز «الأمن الداخلي»، وفيه أن «الدروز يشكلون خطراً أمنياً على دولة إسرائيل»، ولذلك كان تجنيدهم لاحقاً «لأهداف تندرج ضمن سياسة فرّق تسد».


الرواية الإسرائيلية المضلّلة عن أن الدروز هم من طلبوا التجنّد، يُفنّدها حتى الباحث الإسرائيلي شمعون أفيفي الذي صدر له كتاب بعنوان «طبق النحاس ـــــ السياسة الإسرائيلية تجاه الطائفة الدرزية». يقول أفيفي إن الشيخ أمين طريف «قال إن كل شاب درزي يتجنّد هو عرضة لثقافة قذرة، وخدمة الدروز في الجيش توصم اسم الطائفة بالعار في الدول العربية، وإسرائيل ستزجّ الدروز في خطّ المواجهة في الحروب». وعلى رغم موقف طريف الصارم ضد التجنيد، فإن قلّة من الشباب آنذاك (سنة 1956) انصاعوا للأوامر، ولهذا «خرج الشيخ سلمان (شقيق أمين)، إضافة إلى عدد من المخاتير، إلى القرى الجليلية التي فيها دروز، داعين الشبان إلى رفض التجند. حتى إن الشيخ أمين (وفق الوثائق) هدّد بأن كل شاب درزي يخدم في الجيش لن يُوقَّع له على عقد الزواج»، الأمر الذي دفع سلطات الاحتلال إلى تجنيد بعض عملائها من الطائفة لعقد مؤتمر لإدانة موقف طريف ووصفه بأنه «غير مخلص لإسرائيل... وعلاقته سلبية مع الدولة». وتفيد الوثائق، التي استند إليها الباحث الإسرائيلي، بأن قادة الحكم العسكري في الشمال (الجليل) لخّصوا في نهاية كانون الثاني/ يناير 1956 الوضع، مقرّين بأن «غالبية أبناء الطائفة يعارضون التجنيد، وأولئك الذين وقّعوا على التجنيد خائفون من انكشاف أمرهم... مقابل رسائل الاحتجاج الكثيرة التي وصلت السلطات، وصلت رسائل تأييد قليلة».

فرضٌ بالترهيب
في النهاية، وعلى رغم المعارضة الشعبية، ومع أن القانون الدولي لحقوق الأقليات يمنع تجنيدها إجبارياً أينما وُجدت، أقرّت إسرائيل عام 1956 «التجنيد الإلزامي» على الشباب الدروز حصراً، ولم تشر إلى بقية فلسطينيي الأرض المحتلة، علماً بأن هناك مئات منهم (فلسطينيو الـ48 من غير الدروز) يتطوّعون للخدمة العسكرية، وآلاف آخرون يتجنّدون في الخدمة المدنية. إذاً، لماذا انصاع كُثر للأوامر بعد ذلك؟ يبدو أن سلطات الاحتلال مارست إجراءات تعسفية ضدّ من تسميهم «المتهربين من الخدمة»، فلاحقت الشبان الفارين إلى الأحراج المجاورة لقراهم، كما اعتدت عليهم بالضرب، وساقتهم إلى المحاكم بعدما جلبت عائلاتهم، مهدّدة بأنها ستسجنهم بمدة الخدمة نفسها التي كانت مقررة أيام الحكم العسكري (سنتان ونصف سنة).
هكذا، بدأ الأمر بالترهيب، ولاحقاً بالمغريات، وعلى رأسها الأرض. فمن لم يمتثل كان يُجرّد من أرضه، وإن انصاع للأوامر يوعد باستعادة الأرض وزراعتها. ولترسيخ التجنيد، فصلت إسرائيل الدروز عن العرب على أساس أن لهم قومية خاصة، فأنشأت لهم مدارس مستقلة ذات مناهج تعليمية خاصة، حتى وصل الأمر إلى رغيف الخبز، الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم «بيتّا دروزيت» (خبزة درزية). كما كرّست فكرة أن هناك «حلف دم بين اليهود والدروز» عبر هذه المناهج وفي المناسبات العسكرية، التي طالما شكرت فيها «الجنود الدروز على خدمتهم الأمنية وتضحياتهم في سبيل الدفاع عن دولة إسرائيل».
وعلى رغم كل الوعود التي قدمتها إسرائيل للطائفة على مدى عقود، استفاق الدروز على واقع لا يختلف عن بقية أبناء شعبهم؛ فأراضهيم صودرت (80% منها)، وبيوتهم هُدمت بحجة «البناء من دون ترخيص»، كما حُرمت سلطاتهم المحلية الميزانيات التي تُعطى للمجالس اليهودية. أما آخر مظاهر «حلف الدم»، فكان سنّ الكنيست قانون «أساس يهودية الدولة» (القومية) الذي بيّنت فيه إسرائيل للمتعاونين من الدروز وغيرهم كيف تنظر إليهم، وفي أي درجة مواطنة تضعهم.