التركيز عليهم هدفه فصلهم عن شعبهم

القيادات الدرزية المناهضة للتمييز مشرذمة

في كل مرة يُذكر فيها دروز فلسطين، يحضر إلى الأذهان نموذجان: الأول يعبّر عن أبشع جرائم الوعي التي يمكن أن يرتكبها الاحتلال تجاه الأقليات، والحديث هنا عن المتماهين مع إسرائيل ويخدمون في جيشها. أما الثاني، فهم الذين رفضوا الدخول في «خلّاط» الأسرلة، ولم يصدقوا كذبة «حلف الدم». وعلى رغم كل ما قدمه النموذج الأول لخدمة العدو، لا يختلف واقع الدروز عمّا يكابده فلسطينيو الـ48. في ما يلي إجابات عن أسئلة كثيرة في شأن هذا الملف، يقدمها في حوار مع «الأخبار» البروفيسور والباحث في تاريخ الشرق الأوسط قيس فرّو، الذي كتب عدة كتب عن «موحّدي فلسطين».

تدّعي إسرائيل أن عدداً كبيراً من الشباب الدروز مجنّدون. مع ذلك، يشير أهمّ معطى صدر منذ 2008 حتى اليوم إلى أن 51% يرفضون الالتحاق بالجيش، لماذا ارتفعت النسبة؟
لا نملك معطيات حول نسبة رفض الخدمة العسكرية الإجبارية قبل عام 2008، والتي تشير إلى أن 51% من المطلوبين للجندية يرفضون الالتحاق بالجيش. ربما كانت هذه النسبة قائمة دائماً قبل هذه السنة. وهنا، من المفيد الإشارة إلى أن الإعلام الإسرائيلي يروّج دائماً أن نسبة التجنيد تصل إلى 83%، وهي لا تمتّ بصلة إلى الحقيقة. والدليل أن رفض الخدمة يأتي دائماً بعد تسجيل الأسماء في مكاتب التجنيد، لتصل نسبة التجنيد الحقيقية إلى 49%. أسباب الرفض متنوعة، ومنها الأيديولوجية، إذ يرى الشباب أنفسهم عرباً فلسطينيين لا إسرائيليين دروزاً. وكذلك اقتصادية، إذ يرى آخرون أن خدمتهم في الجيش تسرق منهم ثلاث سنوات من حياتهم يستطيعون خلالها دخول سوق العمل. ثمة أسباب أخرى تتعلق بوضع الدروز وواقعهم المعيشي التعيس، وسلب أراضيهم ومصادرتها، وهدم بيوتهم كحال فلسطينيي الـ48 عموماً.

أظهرت انتخابات الكنيست الأخيرة أن نسبة التصويت في مدن وقرى درزية معينة منخفضة، إلامَ يؤشر ذلك؟
انخفاض التصويت في انتخابات الكنيست بين الدروز نابع من قلة الثقة بسياسة المؤسسة الإسرائيلية نحوهم. أظهر استطلاع رأي أكاديمي في جامعة حيفا (أعدّه باحثان لا ينتميان إلى الطائفة الدرزية قبل أعوام عن مواقف أبناء وبنات الطائفة تجاه مؤسسات إسرائيل والتجنيد الإجباري) أن 73.2% يرون وضع الدروز من ناحية الحقوق مشابهاً أو أسوأ من وضع بقية الطوائف العربية في إسرائيل. كما تبين أن 46.7% يرونه مشابهاً، و26.5% يرونه أسوأ (26.8% لم يبدوا رأياً في الموضوع). أيضاً، أظهر الاستطلاع أن 90.1% رأوا في مصادرة الأراضي عاملاً رئيسياً في خلق حالات الغضب لدى الدروز. أمّا عن تجنيد أبناء الطائفة في الجيش، فأظهر الاستطلاع أن 46.6% يطالبون بجعله اختيارياً، كما الحال عند بقية الطوائف العربية، وأن 17.3% يرفضون أي نوع من التجنيد، في حين أن 36.1% لا يبالون بشأن بقاء طريقة التجنيد على حالتها.

إذاً، كيف تفسّر، رغم هذه المعطيات، أن الدروز لم يجدوا طريقهم إلى بقية شعبهم؟
إن سياسة الفصل بين الدروز والعرب الفلسطينيين لا تقتصر على الفئة الأولى، بل هي سياسة واحدة بدأت منذ قيام الدولة الصهيونية، إذ إن الحكومات المتعاقبة رسّخت هذا الفصل في الممارسة السياسية، وروّجت أن فلسطينيي الداخل منقسمون إلى طوائف (دروز، مسلمون، مسيحيون، بدو، شركس). الإعلام الإسرائيلي يركز على الدروز أكثر من غيرهم ليظهرهم منعزلين عن بقية شعبهم.

خلال السنوات الماضية، طُرح مشروع لبناء قرية للضباط الدروز على أنقاض قرية نمرين المُهجَّرة (قضاء حطين)، وأيضاً إنشاء مشروع سكني في دالية الكرمل. كيف تنظر إلى ذلك؟ وهل تريد إسرائيل بهذه المشاريع إعطاء أفضلية لمن يخدم في جيشها؟
المشروع قديم، ويعود إلى الخمسينيات، عندما حاولت السلطات الإسرائيلية توطين عائلات مهاجرين دروز من سوريا على أرض قرية حطين المُهجَّرة لتضرب عصفورين بحجر واحد. الهدف الأول كان تشجيع المهاجرين على الانخراط في الجيش، والثاني خلق مشكلة مع سكان القرية المُهجَّرة والفلسطينيين في الداخل. هدف هذه المشاريع (مثلاً إقامة قرية درزية في الجليل الأعلى) هو امتصاص غضب الدروز من ضيق مساحات البناء في قراهم نتيجة مصادرة الأراضي، وإثارة الفلسطينيين ضدهم. إسرائيل لا تعطي أفضلية لمن يخدم في جيشها، لكن ما تفعله هو استمرار لسياسات التفريق.

في سنة واحدة فقط (الماضية)، سُنّت عشرات القوانين العنصرية، على رأسها «أساس يهودية الدولة» (القومية اليهودية)، ما تأثير هذه القوانين على الدروز؟
«القومية» و«كمينس» وغيرهما من القوانين تثبت أن الدروز عرب في «الحقوق» ودروز في «الواجبات». ردّ فعل الدروز على قانون القومية كان الغضب المصحوب بالإحباط. ولذلك، ركّز الإعلام الإسرائيلي على ما سُمِّي «مسألة الدروز»، كأن الدروز وحدهم ضحايا هذا القانون. وفي الوقت نفسه، غيّب هذا الإعلام صوت الدروز الذين يشاركون بقية شعبهم في النضال ضدّ التمييز، واختار عن قصد التسليط على موقف فئتين: الأولى مثّلها ضباط احتياط وشخصيات عامة وأعضاء كنيست عارضوا القانون، لكنهم ركّزوا في نقدهم على «التضحيات» التي قدّمها الدروز لأمن الدولة، وأعلنوا صراحة أن معارضتهم لا علاقة لها بمعارضة العرب الآخرين. وأمّا الفئة الثانية فمثّلها ضباط ولاعبون سياسيون عبّروا من دون تردّد أو خجل عن قبولهم بالقانون ومعارضتهم ما سمّوه «تحريض اليسار».
هاتان الفئتان تستخدمان «خطاب المرتزقة» الذي يربط ما بين الخدمة العسكرية والمساواة. ولذلك، أعتقد أنهما ستقبلان وعود حكومة إسرائيل التي تصرّح بأنها ستضع خطة تجسّد التزام الدولة العميق نحو الجمهور الدرزي، بما يفضي إلى «تساهل في هدم البيوت، ورصد ميزانيات إضافية، وفتح أبواب التشغيل، وبخاصة للجنود الدروز المسرّحين»، كما قال بنيامين نتنياهو. هذا التصريح هدفه احتواء الاحتجاج وامتصاصه، والمستخدِم له النخبة الدرزية الرسمية، واللاعبون السياسيون الذين يحكون بخطاب يربط بين الخدمة العسكرية والمساواة.
لا أستطيع أن أعرف مدى تأثير هذا القانون وغيره في الجماهير، أو مدى تأثير القيادات الدرزية العربية التي تناهض سياسة التمييز وترفض الطائفية، لكنني أشير بحسرة إلى أن هذه القيادات مشرذمة ومختلفة بعضها مع بعض.

يحكى عن خدمة الدروز في الجيش، ماذا عن خدمة بقية الفلسطينيين؟
مع أننا لا نملك معطيات حول خدمة المسلمين والمسيحيين في الجيش الإسرائيلي، إلا أن هذه الخدمة بدأت عام 1948، ثم استمرّت إلى أن ازدادت في السنوات الأخيرة. رغم وجود أعداد من جنود مسلمين ومسيحيين، فإن الإعلام الإسرائيلي (وحتى العربي) ما زال يبرز خدمة الدروز لأسباب دعائية.




للدروز منهاج تعليمي خاص بدأ إعداده في سبعينيات القرن الماضي. سبق أن كتبتُ عن أهدافه وتطوّره في كتابي «The Druzes in the Jewish State»، واستخدمت فيه وثائق من الأرشيف الإسرائيلي التي تثبت أن الهدف منه خلق هُوية درزية منفصلة عبر مناهج التاريخ والمدنيات (التربية الوطنية) والتراث، التي هي نوع من «اختراع التراث» (inventing tradition). أمّا عن تأثير المناهج، فكان هناك منحيان اثنان: الأول أنها عزّزت عند المثقفين المستقلين الهوية العربية، والثاني أنها خلقت بلبلة في الهُوية الجماعية عند الكثير من الدروز. بعد سنّ قانون القومية، استفاق البعض على حقيقة جديدة، ما أدّى إلى تجدد الاحتجاج على هذه المناهج التي ثَبُت أنها لم ترفع مستوى التعليم، وأن هدفها سياسي فحسب.