لا يجد البشير مخرجاً من الاحتجاجات التي يؤكد منظموها الاستمرار فيها أسبوعاً تلو الآخر. وهو يسعى إلى تحميل خصوم سياسيين مسؤولية قتل المتظاهرين، والذي بات أحد أهم أسباب تواصل الحراك الشعبي


يحاول الرئيس السوداني، عمر البشير، التملص من مسؤولية مقتل متظاهرين بالرصاص الحي، خلال الاحتجاجات المطالبة بتنحيه، والمندلعة للشهر الثاني على التوالي، إما من خلال عدم الإقرار بجميع القتلى الذين فاقت أعدادهم الـ40 شخصاً بحسب منظمات حقوقية دولية (لم تعترف السلطات سوى بـ26 منهم)، أو من خلال اتهام «مندسين ومخربين» من خصومه السياسيين بقتل المتظاهرين.
وبعد أيام من دعوة «تجمع المهنيين» القنوات العالمية إلى البث المباشر لحماية المعتصمين، وقبل انطلاق «مواكب جماهيرية مسائية» اليوم الثلاثاء في منطقتَي الحاج يوسف في مدينة بحري (شمال العاصمة)، وأمبدة في مدينة أم درمان، دعا إلى تسييرها «تجمع المهنيين السودانيين»، في تحرك يسبق تسيير ما أُطلق عليها «مواكب التنحي» الخميس المقبل، أوقفت السلطات صحافيين ومراسلين ومصورين لقنوات إعلامية عالمية، وسحبت رخص العمل منهم. وأوضحت مصادر مطلعة، لـ«الأخبار»، أن مكتب الإعلام الخارجي اتصل بكل من مراسل قناة «العربية» السعودية سعد الدين حسن، ومراسلَي قناة «الجزيرة» القطرية أحمد الرهيد وأسامة سيد أحمد، ومراسلة لـ«الجزيرة» الإنكليزية، بالإضافة إلى المصور بدوي بشير، ومراسل وكالة «الأناضول» التركية بهرام عبد المنعم، ومصور الوكالة محمود حجاج، وطلب منهم الحضور إلى مكتب الإعلام، حيث أخطرهم بأنهم موقوفون عن العمل، من دون ذكر أسباب.

اتهم البشير الحزب الشيوعي وحركة «جيش تحرير السودان» بقتل المحتجين لضرب الاستقرار


يأتي ذلك في حين بات مقتل المحتجين مثار جدل محتدم في البلاد، بعدما أضيف إليهم مساء أول من أمس الطالب الجامعي الفاتح عمر النمير، الذي توفي متأثراً بجروح ألمّت به إثر إصابته بطلق ناري في إحدى عينيه، أثناء مشاركته في تظاهرات في حي بوري، شرق العاصمة الخرطوم، الخميس الماضي، ليكون رابع متظاهر تعلن اللجنة مقتله في الاحتجاجات نفسها، التي سقط فيها أيضاً الطبيب بابكر عبد الحميد سلامة بطلق ناري في الرأس. كما لا يزال مقتل الأخير يثير غضباً، لا سيما في أوساط الأطباء الذين شارك نحو 150 منهم في اعتصام صامت أمس، أمام مستشفى أحمد قاسم في الخرطوم حيث كان يعمل، رافعين لافتات كتب عليها «قتل طبيب يعني قتل أمة»، بينما علقت نائبة مدير برنامج منظمة «العفو الدولية» لشرق أفريقيا، سارة جاكسون، بأنه «أمر مروع استمرار أجهزة الأمن في استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، والذين يقدمون خدمات رئيسة كالأطباء». وفي محاولة للتملص، والتأكيد على ما قاله البشير أول من أمس من أن إطلاق النار لم يكن من جانب الشرطة، زعم استشاري الطب الشرعي، محجوب بابكر، أن نتيجة التشريح، أثبتت أن سلامة توفي نتيجة طلق ناري من الخلف، من مسافة تبعد 4 إلى 10 أمتار، لكن مدير عام وزارة الصحة في ولاية الخرطوم نفى أن يكون قد قتل من مسافة قريبة، ما قلل احتمالات مقتله «من داخل التظاهرة»، كما زعم البشير.
في خضم ذلك، يسعى الرئيس إلى استغلال الجدل المحتدم في ميدان السياسة. إذ حدّد خصوماً سياسيين نسب إليهم «مندسين ومخربين» ينفذون عمليات قتل ضد المحتجين، بهدف «ضرب استقرار البلاد وأمنها». وفي مؤتمر صحافي، أعلن وزير الدولة في وزارة الإعلام، مأمون حسن إبراهيم، أمس، أن اللجنة العليا الأمنية لمتابعة الاحتجاجات «توصلت بما لا يدع مجالاً للشك» إلى وجود عناصر واضحة داخل البلاد وخارجها، منهم 28 عنصراً ينتمون إلى «الحزب الشيوعي السوداني» المعارض، مشيراً إلى أن تلك العناصر «تنضم إلى ما تبقى من الحركات السالبة، وحركة عبد الواحد محمد نور»، وذلك على غرار ما أعلنه البشير، قبل يوم، من أن «بعض المقبوض عليهم تابعون لحركة جيش تحرير السودان». لكن في ضوء الاتهامات العشوائية، طلب «مجلس نقابة المحامين» من النيابة العامة، أول من أمس، منع الملثمين والعربات من دون لوحات من فض الاحتجاجات، بما يُساعد النيابة العامة في التعرف إلى مرتكبي جريمة القتل. أما خارجياً، فأعلن وزير الدولة في وزارة الداخلية، أمس، أن «الجهات الخارجية» و«السفارات» التي سبق واتهمها البشير بالعمل على تأجيج الأوضاع «معلومة ومرصودة».