يحاول الرئيس عمر البشير تشبيه الاحتجاجات المندلعة في السودان منذ أكثر من شهر، إثر الأزمة الاقتصادية الخانقة واستخدام العنف المفرط، بما حصل ويحصل في عدة بلدان عربية منذ عام 2011. تارة يتهم الولايات المتحدة، وأخرى إسرائيل، وثالثة يقول إن بلاده تتعرض لمثل ما تعرضت له بلدان «الربيع العربي». ويتهم البشير دولاً وسفارات بتحريك المحتجين من دون أن يحددها، وينسب إليها «مندسين مجهولين» يحمّلهم مسؤولية مقتل متظاهرين، ارتفعت حصيلتهم إلى 26 وفق الأرقام الرسمية، بهدف «تأجيج الصراع والفتنة في البلاد»، بينما تؤكد منظمات حقوق الإنسان كـ«العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» ارتفاع الحصيلة إلى ما يزيد على 40 شخصاً.

ومع إقرار السلطات السودانية بمقتل متظاهرين بالرصاص الحي من دون تحديد مطلقي النار، خرج الرئيس، الجالس على كرسي الحكم منذ ثلاثة عقود، أمس، في خطاب أمام أتباعه في منطقة الكريدة، في ولاية النيل الأبيض، ليلقي باللائمة على المشاركين أنفسهم، قائلاً إن «المندسين والمخربين أخذوا الاحتجاجات الشبابية فرصة للحرق والتدمير، وهم من يقتل المحتجين من داخل التظاهرات»، مدلّلاً على صحة اتهاماته بأن «الطبيب (باببكر عبد الحميد سلامة) الذي قتل (بطلق ناري في الرأس) في حي بري (شرق العاصمة الخرطوم، يوم الجمعة) قُتل من داخل التظاهرة، وبسلاح لا وجود له لدى الجيش ولا الشرطة»، أثناء مشاركته في احتجاجات في الحي، بحسب ما أظهرت مقاطع فيديو تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ودأب البشير، من بدء الاحتجاجات، على الحديث عن «الذين تآمروا على السودان»، مثلما فعل قبل أسبوعين خلال مهرجان شرقي مدينة عطبرة، عندما اتهم «بعض العملاء وبعض الخونة» بالوقوف خلف أعمال العنف، بأنهم «زرعوا» في صفوف المحتجين.

اتهم البشير «مندسّين ومخرّبين» بقتل المتظاهرين والإحراق والتدمير


وبعد الحديث عن «التآمر» الذي «تنهد منه الجبال» كما عبّر أمس، عاد البشير إلى وضع السودان ضمن لائحة من دول تشهد أحداثاً منذ عام 2011، كـ«سوريا والعراق واليمن وليبيا»، من دون ذكر مصر وتونس، اللتين سبق أن ضمّهما مطلع الشهر الحالي إلى قائمة مماثلة، لكنه تغاضى للمرة الثانية عن ضمّ اليمن، الذي يشهد عدواناً مستمراً تشارك فيه بلاده، تسبّب في تدمير البنية التحتية والمدارس والمستشفيات، علماً بأن السعودية لم تُبدِ دعماً أو تعاطفاً مع نظامه، على غرار ما قدمت الإمارات والبحرين والكويت وقطر ومصر من دعم لحل الأزمات التي كانت سبباً مباشراً في اندلاع الاحتجاجات، سواء الخبز أو الوقود أو السيولة. ووعدت مصر بإرسال مواد غذائية لخفض الأسعار، فيما تعهدت الإمارات بسدّ كامل احتياجات البلاد من الوقود. أما قطر، التي تقف على نقيض من الدولتين، فقد قدّمت مليار دولار لحل أزمة انعدام السيولة. لكن البشير لم يشر بإصبعه حتى الآن، بوضوح، إلى الجهة التي تسعى إلى تدمير تلك الدول، بعدما لمّح مع بداية الاحتجاجات إلى دور لإسرائيل، كما جاء على لسان مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات صلاح قوش، الذي قال الشهر الماضي إنهم «متمرّدون تربطهم صلات بإسرائيل»، قبل أن يعلن البشير مطلع الشهر الحالي أن بلاده تلقّت نصائح بـ«التطبيع مع إسرائيل» حتى تصلح أحوال السودان. وبينما يحمّل البشير واشنطن كامل المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية، بفعل العقوبات التي فرضتها لأكثر من 20 عاماً على بلاده، تساءل أمس: «هل تقبلون أن تذهبوا إلى جنوب السودان أو إثيوبيا أو تشاد لتسكنوا في معسكرات اللاجئين؟ ويأتي إليكم الخواجات (الغربيون) ليقدموا لكم بواقي طعامهم ويتاجروا بكم؟».
محاولة البشير أمس التملص من العنف الذي تستخدمه قوات الأمن ضد المتظاهرين، ترافقت مع قيام شرطة مكافحة الشغب بإطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المتظاهرين، الذين كانوا متجهين إلى مقر البرلمان في مدينة أم درمان غربي الخرطوم، تلبية لدعوة «تجمع المهنيين» وثلاثة تحالفات معارضة، لتسليم مذكرة تطالب البشير بالتنحي. إذ انطلق المحتجون في أكثر من موكب فرعي، منها موكب من منطقة الشهداء وسط مدينة أم درمان، وآخر في شارع الأربعين، أحد الشوارع الرئيسة في المدينة، لكن الشرطة منعت بالغاز المسيل للدموع تلاقي المواكب المتجهة نحو المقر، فيما استمرت حالة من الكر والفر بين الشرطة والمتظاهرين لساعات، من دون أن ترد أي معلومات عن إصابات أو اعتقالات. وفي تظاهرات أخرى أمس، تداول ناشطون صوراً ومقاطع فيديو لتظاهرات في مدينة الفولة في ولاية غرب كردفان (جنوب)، ومنطقة الولي الحلاوين (وسط)، وحي كافوري في العاصمة الخرطوم.