بين اعتصام احتجاجاً على قتل متظاهرين، وتشييع لأحد ضحايا الرصاص الحيّ تحول إلى تظاهرة كبرى، دخلت احتجاجات السودان، المطالبة بإسقاط نظام الرئيس عمر البشير، مرحلة جديدة، مع بداية الأسبوع الخامس. التظاهرات المندلعة في العاصمة الخرطوم، أمس، بدت بعيدة عن الأسباب المباشرة لانطلاقها في الـ19 من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، من ارتفاع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، إلى انعدام الوقود والسيولة، بل إن الدافع للتحرك هذه المرة كان الاحتجاج على استخدام الرصاص الحيّ بوجه المتظاهرين، الذين قُتل منهم أكثر من 40 شخصاً بحسب أرقام منظمات حقوق الإنسان (أقرّت السلطات بـ22 منهم فقط)، والاعتقالات التي تخطّت الألف لنشطاء وصحافيين وأطباء وسياسيين.

واحتجاجاً على قتل طبيب وطفل في تظاهرات انطلقت في أكثر من 12 مدينة أول من أمس، واستخدمت فيها قوات الأمن الرصاص الحي، اعتصم محتجون، أمس، أمام مستشفى «رويال كير» في حيّ بري، شرقي الخرطوم، وهم يهتفون بسقوط النظام، تلبية لدعوة «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي حثّ المعتصمين على مواصلة بثّ الفيديوهات الحية على مواقع التواصل الاجتماعي، كذلك دعا القنوات العالمية إلى البثّ المباشر لحماية المعتصمين. وعقب مقتل الطبيب السوداني برصاصة في الرأس في الخرطوم، أعلنت «لجنة أطباء السودان» المركزية (مستقلة) إضراباً في جميع مستشفيات البلاد عن علاج الحالات غير الحرجة. وأعلنت سحب جميع الأطباء من العمل في المستشفيات التابعة للمؤسسات العسكرية (الشرطة والجيش والأمن)، والمستشفيات المملوكة لرموز حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم وقياداته.
وتزامناً مع الاعتصام، لقي معاوية بشير (60 عاماً) حتفه أمس «في المستشفى، عقب إصابته بطلق ناري في الساق، عند إيوائه متظاهرين في منزله كانت قد فرّقتهم الشرطة والقوات الأمنية في حيّ بري» أول من أمس، حسبما أفادت قريبة له لوكالة «الأناضول»، فيما أصيب خمسة بالرصاص الحيّ، و3 بالرصاص المطاطي، كما أعلنت «لجنة أطباء السودان». في المقابل، لم تقرّ الشرطة السودانية بسقوط القتلى الثلاثة، مكتفية في بيان صادر عن متحدثها هاشم علي، بالقول إنها «تلقت بلاغاً بوقوع قتيل، وحدوث إصابات متعددة»، من دون أن تشير إلى مطلقي النار.

أطلقت قوات الأمن النار على مشيّعي أحد ضحايا الاحتجاجات


وبعدما أنحى البشير باللائمة في حالات القتل على «عملاء» أجانب، متحدياً الشعب بأن التظاهرات لن تقود إلى تغيير الحكومة، عاد جنوده، أمس، إلى إطلاق الذخيرة الحية بوجه الآلاف من مشيّعي معاوية، الذين رددوا شعارات تطالب بإنهاء حكم البشير، في جنازة شارك فيها نحو 5000 مشيع. الجنازة التي تحولت إلى تظاهرة كبيرة، أغلقت شارعاً رئيساً في حيّ بري في الخرطوم بالحجارة، ما دفع الشرطة إلى الانسحاب. وبينما خلت الشوارع من أي وجود أمني، واصل المتظاهرون احتجاجاتهم في بري بعد الظهر، وأغلقوا شارع الصحافة زلط، أحد الشوارع الرئيسة في العاصمة، الذي يمرّ عبر بعض الأحياء الكثيفة السكان. وضمت الاحتجاجات كبار السن والنساء، بخلاف التظاهرات السابقة التي كان يغلب عليها الشبان. وبالتزامن، خرجت تظاهرة أخرى في مدينة أم درمان، أطلقت فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع على عشرات المحتجين، أثناء مغادرتهم أحد المساجد في حي ود نوباوي.
وللأسبوع الخامس على التوالي، استمرت دعوات «تجمّع المهنيين» إلى التظاهر. ففي بيان مشترك، دعا التجمع المستقل الذي يضم أطباء ومعلمين ومهندسين، وثلاثة تحالفات معارضة (هي «نداء السودان» و«الإجماع الوطني» و«التجمع الاتحادي المعارض») إلى مواصلة الاحتجاجات، معلنين تسيير «موكب الشهداء» الأحد المقبل في مدينة أم درمان غربي الخرطوم، نحو مقر البرلمان السوداني، بالتزامن مع تظاهرات في أحياء العاصمة. وحدد البيان الثلاثاء المقبل موعداً لتنظيم مواكب جماهيرية مسائية في منطقتَي الحاج يوسف وأمبدة ومدن أخرى تُحدّد لاحقاً، وأعلن تسيير «مواكب التنحي» في كل مدن السودان الخميس المقبل.
وعلى رغم الدعم الخليجي والعربي لنظام البشير، سواء من قطر التي قدمت مليار دولار، أو الإمارات التي وعدته بتغطية كافة احتياجات البلاد من الوقود، والبحرين، والكويت، ومصر، التي قدمت مواد غذائية لدعم الأسعار، واجه البشير ضغوطاً من دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة التي يرمي البشير مسؤولية الأزمة الاقتصادية عليها بسبب العقوبات التي فرضتها على بلاده لـ20 عاماً، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى حذف السودان من قائمة الدول التي تعدّها واشنطن راعية للإرهاب، والتي حالت دون تدفق الاستثمارات والمساعدات المالية التي كان يأمل تلقّيها بعد رفع العقوبات عام 2017.