يعيش الجنوب الليبي، منذ سقوط نظام معمر القذافي، حالة انفلات أمني، تشمل انتشار شبكات تهريب النفط والسلع والبشر، ومجموعات إجرامية تمتهن اختطاف الناس مقابل فديات، وأخرى إرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش» وكتائب تتبع المعارضة التشادية المسلحة. يمتزج كل ذلك، مع غياب تنمية المنطقة الواقعة بعيداً عن مراكز القرار، في طرابلس وشرق البلاد، رغم أنها تحوي حقولاً نفطية وغازية مهمة، إضافة إلى ثروات أخرى غير مستغلة.

غذى هذا الوضع، الانفلات الحاصل، حيث اندمج شباب مدن وبلدات الجنوب، بدفع من الحاجة، في تلك الشبكات والأنشطة غير القانونية. لكن، بموازاة ذلك، يوجد أيضاً تصعيدٌ سياسيٌ، يتمثل في حركات احتجاجية، إحداها ما يعرف بـ«حراك غضب فزان» (فزان هي التسمية التاريخية لمجمل جنوب البلاد). ولغياب أثر التظاهرات المتتالية، اتجه أنصار «الحراك»، نحو الضغط على أماكن إنتاج النفط، فكان حقل الشرارة، أكبر حقول البلاد، هدفهم الرئيسي.
أول من أمس، أصدرت «المؤسسة الوطنية للنفط»، بياناً أدانت فيه تصرفات جهاز «حرس المنشآت النفطية»، نظراً إلى قيامه بـ«تسهيل تنظيم احتجاج داخل الحقل»، وكذلك «تهديده العاملين بوقف الإنتاج بصفة كلية». واعتبر البيان أن تصرفات الحرس والمحتجين «استغلال لمعاناة أهالي الجنوب لتحقيق مطالب شخصية»، كما أن عملية الإغلاق القسري، سوف «تتسبب في العديد من المشاكل اللوجستية طويلة المدى، التي قد تؤدي إلى تأخير إعادة فتح الحقل، وهو ما سيتسبب بدوره في إيقاف عدد من المشاريع النفطية، ومشاريع التنمية المستدامة في المنطقة».
وبمنطق حسابي، يعني توقيف الحقل خسارة يومية تقدر بـ 350 ألف برميل، إضافة إلى تعطل إنتاج حقل الفيل، الذي ينتج قرابة 75 ألف برميل يومياً، نظراً الى اعتماده على إمدادات الكهرباء من حقل الشرارة، وكذلك انقطاع الإمدادات النفطية عن مصفاة الزاوية، قرب العاصمة، التي تجهز النفط للاستغلال في إنتاج الكهرباء، لجزء كبير من غرب البلاد، وتصديره، ما يعني المسّ بتعهدات المؤسسة مع زبائنها.
أمس، أصدرت مؤسسة النفط بياناً آخر، قالت فيه إن حرس المنشآت النفطية حاول إجبار العمال على وقف الإنتاج، وأكدت قيام أعوان الحرس بغلق المضخات عنوة، ما سيؤدي إلى امتلاء الخزانات في الحقل، وبالتالي إلى وقف الإنتاج بالكامل. وأعاد البيان التذكير بالمخاطر التي يطرحها هذا التصعيد، مضيفاً إن المؤسسة ستضطر، في حال استمراره، إلى إخلاء الحقل، وأكدت عدم تحملها مسؤولية عمليات «التخريب والسرقة المتوقعة».
لم تجد تلك النداءات آذاناً صاغية، إذ استمر المحتجون في تنفيذ تهديداتهم، وأعلنوا في بيان أصدروه بعد ظهر أمس، وقف تدفّق النفط والغاز إلى حين تحقق مطالبهم، معربين عن أسفهم للوصول إلى هذه الوضعية بعد عدة محاولات باءت بالفشل، لإقناع الحكومات بتحسين حال المواطن في فزّان. ورفع «حراك غضب فزّان» عشرة مطالب، منها دعم أمن المنطقة، ودعم القطاع الصحي بالآلات والكوادر والأدوية، وتوفير السيولة والخدمات البنكية والوقود، وإنشاء معاهد خاصة بالطاقة، وتشغيل أبناء المنطقة في القطاع، وإنشاء مصفاة نفط في الجنوب، واعتبار مدينة أوباري منطقة منكوبة.
من جهته، لم ينكر حرس المنشآت النفطية دعمه للاحتجاجات، فأصدر آمر «الكتيبة 30 مشاة خفيف»، العقيد علي محمد صالح الحسيني، أمس، بياناً باسم الجهاز، جاء فيه: «نظراً إلى الاحتقان الحاصل في (صفوف) سكان المنطقة الجنوبيّة من انعدام الإمكانات الحياتية اليومية، مثل السيولة والوقود والتنمية المكانية، نعلمكم كقوة مؤمنة للحقل، بدخول حراك غضب فزان، وإيقاف الإنتاج، تماشياً مع مطالب المنطقة».
وتعد هذه المرة الثانية التي يوقف فيها حقل الشرارة، الذي يحوي احتياطات تقارب 3 مليارات برميل، على امتداد سبعة أعوام. أوقف الحقل جزئياً في المرة الأولى عام 2014، حيث قرر حينها «المؤتمر الوطني العام» التمديد في ولايته، فسقط الحقل في يد قوات موالية له، ولجأت مجموعات عسكرية تتبع مدينة الزنتان، الموالية للمشير خليفة حفتر، إلى قطع إمداداته المتجهة نحو مصفاة الزاوية، ولم يعد التدفق بالكامل إلا عام 2016. ويهدّد إيقاف الحقل بخفض الإنتاج الإجمالي للنفط الليبي، الذي بدأ في استعادة أرقامه السابقة لـ 2011، حيث تجاوز هذا العام معدل 1.3 مليون برميل يومياً.