هل هو إنجاز خطابي غربي آخر سيبقى حبيس الورق؟ لا يمكن أحداً الجزم، لكن ما حدث في «مؤتمر باليرمو» على امتداد اليومين الماضيين، لا يختلف عمّا حصل في مؤتمرات سابقة، بل وربما كان أسوأ حالاً. منذ البداية، رفض قائد «الجيش الوطني الليبي»، المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على أغلب شرق البلاد وجنوبها، حضور الحدث والمشاركة في نقاشاته، رغم الزيارات العالية المستوى، التي أداها مسؤولون إيطاليون إلى مقره في الرجمة، قبل المؤتمر بأشهر لإقناعه بالحضور. لم يُنقذ الأمر أخيراً، سوى زيارة خاطفة لرئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي، لشرق ليبيا، مساء أول من أمس، دفعت حفتر إلى التراجع عن قرار المقاطعة، لكن بشروطه الخاصة، إذ وصل، مساء أول من أمس إلى باليرمو، عاصمة جزيرة صقلية، لكنه رفض المشاركة في العشاء الذي جمع عدداً من المسؤولين. أحاط حفتر نفسه بمن يريد، حين انخرط في حوارات مع مسؤولي «البلدان المجاورة والصديقة»، فجلس مع الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي، والتونسي الباجي قائد السبسي، ورئيس الوزراء الروسي، دميتري ميدفيديف، ووزيري خارجية فرنسا وإيطاليا، جان إيف لودريان، وإينزو موافيرو ميلانيزي، إضافة إلى رئيس «المجلس الرئاسي الليبي»، فائز السراج. لكن جلسات حفتر لم تشمل رئيس «المجلس الأعلى للدولة»، خالد المشري (من حزب «العدالة والبناء»، وهو إخواني التوجه)، ولا نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية القطرية، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ولا نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، ما دفع الأخير إلى إعلان انسحاب بلاده من المؤتمر بـ«خيبة أمل كبيرة»، مشيراً إلى أن «أي اجتماع يُقصي تركيا سيكون له نتائج عكسية لحل هذه المشكلة»، فيما رأى رئيس الحكومة الإيطالية، كونتي، لاحقاً، أن موقف تركيا «ليس موضوعياً، ولا يخلق أجواءً إيجابية».

بعد ذلك، لم يطُل بقاء حفتر، التقط بعض الصور مع كبار المسؤولين، وقفل عائداً إلى شرق ليبيا. ورغم أنه لم يُدل بوعود علنية أو تصريحات واضحة، بدا كما لو أنه المشارك الأبرز، حتى بات يُبحث عمّا قال في السرّ، فنقل عنه مسؤول ديبلوماسي إيطالي قوله: «لا حاجة لاستبدال خيلك وأنت تعبر النهر». وفي محاولة لفكّ شيفرة هذا المثل الشعبي، اعتبر المصدر أن المقصود فائز السراج، أي أنه يوافق على بقائه إلى حين عقد انتخابات.

أحاط حفتر نفسه بمن يريد، فانخرط في حوارات مع مسؤولين وتجاهل آخرين


وسط هذه الأجواء التي فرضها حفتر، انشغل كل من المبعوث الأممي غسان سلامة، وباقي الفرقاء الليبيين بصياغة بيان ختامي، لم يختلف عن الوثيقة التي صدرت عن «مؤتمر باريس 2»، لكنها جاءت أكثر اختصاراً ومن دون مواعيد. ركز البيان على احترام نتائج الانتخابات، ومعاقبة من يحاول عرقلتها، وضرورة تحمّل مختلف المؤسسات مسؤوليتها لإنجاحها، والحاجة إلى اعتماد دستور للبلاد، واعتبار ما ورد في وثيقة «مؤتمر الصخيرات» للمصالحة، الأساس الوحيد للوصول إلى حل سياسي، ودعم الحوار الذي تحتضنه القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية، بشرط أن تكون تحت قيادة مدنية، ودعم خطة الأمم المتحدة وجهود مبعوثها. وإضافة إلى البيان، حاول سلامة، خلال كلمته، مواجهة الفاعلين الليبيّين بواقعهم المرير، قائلاً: «لا حلّ عسكرياً في بلادكم، ولا يوجد إلا حل سياسي ينبغي أن تبحثوا عنه أنتم، وتأخره كل يوم أمر غير طبيعي، غير سليم وغير مفيد»، وحدد موطن الخلل، على اعتبار أنه يكمن في «مشكلة الشرعية والاتهام المتبادل بشأنها»، مضيفاً أن الحل العملي هو «الاحتكام للإرادة الشعبية»، من خلال عقد «ملتقى وطني» (قال سلامة قبل أيام إنه يمكن عقده في الأسابيع الأولى من العام المقبل).
إيطالياً، استمرت حكومة كونتي في تلقي انتقادات بشأن طريقة تنظيم المؤتمر ومحتواه. هذه المرة، من رئيس الحكومة السابق، ماتيو رينزي، الذي رأى أن المؤتمر بدا «فشلاً مدوياً» بالنسبة إلى «من يعرفون القواعد الدولية والديبلوماسية». لخص الموقف قائلاً: «درس كونتي وميلانيزي الروزنامة جيداً، وقررا تنظيم مؤتمر جيد حول ليبيا في إيطاليا، في اليوم التالي لـ(تظاهرة) باريس، معولين على وجود جميع القادة الكبار في المنطقة، لكن لسوء الحظ، لم يقبل أي من أولئك القادة الكبار ــ الذين شاركوا أيضاً في مسيرة باريس ــ الدعوة الإيطالية».