منذ الأيام الأولى التي أعقبت حادثة اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، بدا الموقف الفرنسي مثيراً للكثير من علامات الارتياب. ريبة تصاعدت مع الردّ العنيف الذي قابل به الرئيس إيمانويل ماكرون، دعوة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إلى وقف مبيعات الأسلحة الأوروبية للسعودية على خلفية مقتل خاشقجي، واصفاً تلك الدعوة بـ«الديماغوجية»، ومعتبراً «ألا علاقة بين الأمرين». يوم أمس، بدت كلمة باريس الأكثر انكشافاً: لم نستمع إلى التسجيلات التركية بخصوص الحادثة، والرئيس رجب طيب أردوغان يمارس «لعبة سياسية»، في اتهام مباشر استدعى رداً عنيفاً من أنقرة. ولئن أثبت الموقف الفرنسي الجديد حماسة باريس لطيّ ملف القضية بأسرع ما يمكن، فهو لخّص مجمل السلوك الدولي المائل إلى ترتيب ردّ مباشر محدود على الجريمة، من دون الإضرار بشخص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أو «زعزعة استقرار» المملكة، وإن كان العمل على إعادة ضبط السياسات السعودية، خصوصاً الخارجية منها، يبدو أمراً لا مفرّ منه.

ونفى وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أن تكون في حوزة بلاده تسجيلات حول مقتل خاشقجي، كان الرئيس التركي أعلن، السبت الماضي، أن أنقرة سلّمتها لباريس ولندن وبرلين. وردّاً على سؤال عمّا إذا كان أردوغان يكذب في ذلك، أجاب لودريان بأن «لديه لعبة سياسية في هذه الظروف». وسرعان ما استدعى تصريح الوزير الفرنسي رداً شديد اللهجة من نظيره التركي، مولود تشاووش أوغلو، الذي جدد تأكيد رئيسه أن «جهاز استخبارات بلادنا قدّم، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، المعلومات المتوافرة لدينا، بما فيها التسجيلات الصوتية للاستخبارات الفرنسية بطلب من الجانب الفرنسي»، وهو ما جزم به أيضاً مدير الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، الذي رأى أنه «إذا كانت هناك مشكلة تواصل بين مختلف مؤسسات الحكومة الفرنسية، فإن حلّ هذه المشكلة يعود إلى السلطات الفرنسية، لا إلى تركيا». ووصف أوغلو اتهامات لودريان بأنها «وقاحة كبيرة»، قائلاً إنه «فيما لو أنكر هؤلاء جريمة قتل خاشقجي، التي اعترفت بها حتى السعودية، فإنه ينبغي عدم الاستغراب من ذلك»، واتهم «مثل هؤلاء السياسيين والدول»، مبطناً، بمحاولة التستر على الجريمة، مُتحدثاً عن «صفقات تُعقد في الآونة الأخيرة ينبغي متابعتها».

وصفت تركيا الاتهامات الفرنسية بأنها «وقاحة كبيرة»


وعلى رغم أن حديث الفرنسيين عن «لعبة سياسية» يمارسها أردوغان ليس بعيداً تماماً عن الأخير، على اعتبار أن تركيا سلكت ـــ منذ وقوع الحادثة ـــ نهجاً أظهر أنها تريد الاستفادة من واقعة الاغتيال أكثر ممّا تتطلّع إلى إقامة العدالة، وأفسح المجال أمام بروز اتهامات من هذا النوع، إلا أن حديث الأتراك في المقابل عن «صفقات للتستّر على الجريمة» يتّسق والنهج الغربي الذي حاذر ـــ إلى الآن ـــ إدخال رأس الهرم السعودي في دائرة الاتهام، مُقدّماً المصالح السياسية والاقتصادية القائمة مع الرياض على أي اعتبار آخر. ولعلّ اللقاء الذي جمع ماكرون بنظيره الأميركي، دونالد ترامب، السبت الفائت، أسهم في تعزيز ذلك الانطباع، عبر تحاشي الإشارة إلى محاسبة أو معاقبة، والتشديد على ضرورة «عدم السماح بأن تسبّب هذه القضية زعزعة استقرار الشرق الأوسط بنحو أكبر». وهو ما لم تخرج عنه، أيضاً، التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي أجرى ليل الأحد ـــ الاثنين مباحثات هاتفية مع ابن سلمان، كرّر فيها تمسك بلاده بمحاسبة المسؤولين عن مقتل خاشقجي، مشدداً على وجوب أن «تفعل الرياض المثل»، معززاً بدعوته تلك الرواية السعودية عن «اغتيال من دون أمر من القيادة»، سيتولّى ولي العهد بنفسه محاسبة مرتكبيه! وفي الاتجاه نفسه، جاء بيان وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، قبيل توجهه إلى الرياض، مُشجعاً «السلطات السعودية على التعاون الكامل مع التحقيق التركي بشأن مقتل خاشقجي، لضمان العدالة لعائلته والعالم الذي يراقب» التطورات.