لا تسير الأمور في «مؤتمر باليرمو» على النحو الذي رغبت فيه الحكومة الإيطالية، لا من ناحية الشكل ولا المحتوى. داخلياً، تظاهر آلاف من الطلاب في شوارع عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية، مساء أول من أمس، محتجين على الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضت على السكان، والتي شملت غلق طرقات وتفتيش الناس والمنازل. وحسب وكالة «آكي» الإيطالية للأنباء، قال منظمو التظاهرة إن «الاجراءات الأمنية شلّت وسط المدينة، الذي عزل بسبب الحدث، وذلك لخدمة الاحتياجات الخاصة لوفود الدول المدعوة، التي تمارس الهيمنة العسكرية في منطقة المتوسط». إضافة إلى ذلك، نظمت مجموعة من الشخصيات الإيطالية، من بينها القس ألكس زانوتلي المعروف بدفاعه عن العدالة الاجتماعية، مؤتمراً رمزياً مضاداً للمؤتمر الرسمي، أمس، أطلقوا عليه اسم «تدخلات»، نددوا فيه بتدخل الدول الغربية في ليبيا، وبسعيها وراء مصالحها الرأسمالية فقط، من دون اعتبار لمآسي الشعب الليبي.

النقد جاء أيضاً من اليمين الإيطالي، حيث اعتبرت الوزيرة السابقة ورئيسة «حزب أخوة إيطاليا» المعارض، جورجيا ميلوني، أن عدم مشاركة حفتر وزعماء الدول الكبرى، يعني أن ما يحصل «قمة بلا قمم»، وهو «إعلان فشل لحكومة كونتي، ما يؤكد أنها بلا صلات دولية، وتفتقد القدرة على الدفاع عن مصلحة إيطاليا الوطنية في الملف الليبي».
وسط هذه الأجواء داخل إيطاليا، بدأت الوفود المشاركة، أمس، في نقاشاتها، حيث توزع الجمع بين لجنتين: واحدة للقضايا الاقتصادية، والثانية للمسائل العسكرية والأمنية. الحاضر الأبرز في هذه النقاشات، كان المبعوث الأممي، غسان سلامة، ونائبته ستيفاني ويليامز (شغلت سابقاً منصب القائمة بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا)، إذ كرر سلامة مقترح إجراء انتخابات العام المقبل، وأشار إلى إمكانية عقدها بين شهري آذار/ مارس وحزيران/ يونيو المقبلين، على أن تُحدد طبيعتها، سواء كانت رئاسية أو برلمانية أو مزدوجة، في «الملتقى الوطني»، الذي تعتزم البعثة تنظيمه في الأسابيع الأولى من عام 2019.

نددت شخصيات إيطالية بتدخّل روما في ليبيا وبسعيها وراء مصالحها


وشهدت اللجنة العسكرية والأمنية نقاشات حول الأولويات، فيما عوّض غياب خليفة حفتر، ممثلان له، هما مستشاره السياسي أحمد العبود، ورئيس تلفزيون «ليبيا الحدث» الموالي له، محمود الفرجاني (كان قبل إطلاق «عملية الكرامة» شرق البلاد مراسلاً لقناة «العربية» السعودية). وفيما بدا حضور ممثلي حفتر لمراقبة التطورات أكثر من النقاش حول السياسات، اعتبر ممثلو «المجلس الأعلى للدولة» (هيئة استشارية تعمل في طرابلس)، أن توحيد المؤسسة السياسية هو الأساس لتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية، ودعوا إلى استكمال تطبيق الترتيبات الأمنية، كما وردت في «اتفاق الصخيرات» للمصالحة، وطرحوا مقترحاً لتشكيل جسم إداري خاص جنوب البلاد المنفلت والمهمش، تُمثل فيه المؤسسات السياسية الثلاث المنبثقة من الاتفاق نفسه.
لكن، جاءت أيضاً انتقادات واحتجاجات من الليبيين أنفسهم، حيث أعلن علي السعيدي، وهو نائب شارك ضمن الوفد البرلماني، انسحابه من المؤتمر. وقال لاحقاً إنه شعر بأن كلام سلامة وويليامز «يشبه الأوامر»، وهو أمر لم يرتضه. علاوة على ذلك، أصدر 40 نائباً بياناً أمس، يدين ما أورده سلامة بخصوص البرلمان في إحاطته لمجلس الأمن الدولي، الخميس الماضي، إذ استغربوا «عدم التزام المبعوث الأممي لدى ليبيا، الحياد، وفقاً لمبادئ الجمعية العامة للأمم المتحدة ومواثيقها، وانحيازه إلى طرف دون آخر»، وطالبوا «هيئة رئاسة المجلس بإدراج بند مناقشة ما ورد من إساءة إلى مجلس النواب... في جدول أعمال الجلسة المقبلة».
رغم كل ذلك، تحاول إيطاليا اليوم جمع ما يمكن من الفرقاء وساسة الدول الكبرى والمجاورة لليبيا في أعمال المؤتمر. وحتى مساء أمس، أكدت وكالة «آكي» وصول المشير خليفة حفتر، ورئيس الوزراء الروسي، ديمتري مدفيديف، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، والتونسي الباجي قائد السبسي، والنيجري محمد يوسفو، والوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى.