أثارت الأزمة الخليجية المندلعة منذ حزيران/ يونيو 2017 مخاوف كامنة لدى كل من الكويت وعمان، وعزّزت هواجسهما من إمكانية تعرضهما في أي وقت لما فرُض على قطر من مقاطعة متعددة الأوجه. هواجس لم يعد الكويتيون يتعاملون معها على أساس أنها سيناريوات بعيدة الوقوع، بل باتوا يأخذونها على محمل الجدّ، ويبنون على أساسها في الاستعداد لأي احتمالات ليس تعرض بلادهم لعدوان مستبعداً منها، وفق ما يظهر تقرير حديث مرفوع إلى أمير البلاد.

رُفع إلى أمير الكويت، صباح الأحمد الجابر الصباح، في الأيام الأخيرة، تقرير مفصّل يكشف عن نيات عدوانية سعودية تجاه البلاد. يعرض التقرير المشاكل التي قد تقع فيها الكويت إذا ما قرّر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلحاقها بقطر، وعزلها خليجياً وعربياً، والحلول المقترحة لذلك. احتمالات ليس الحديث عنها مستغرباً، بالنظر إلى تاريخ طويل من العلاقات الحذرة بين البلدين المتجاورين، واختلاف السياسات الخارجية، وكذلك النزق المتحكم بالعهد الجديد في السعودية. هو إذاً شدٌّ وجذب مستتر لم يعد خروجه إلى العلن مستبعداً في ظل المغالاة السعودية - الإماراتية في معاداة قطر، والاستعداد للتعامل مع كل من يقف في صفّها.
منذ تحريرها عام 1991 من الاحتلال العراقي، اتخذت الكويت لنفسها موقع النأي بالنفس عن أي أزمة عربية – عريبة أو خليجية – خليجية تندلع بين «الأشقاء». أرادت الحفاظ على مقبولية لدى الجميع، وحاولت لعب دور الوساطة في غير محطة. فعلت ذلك إبان أزمة 1995 بين قطر والسعودية، وأزمة 2009 بين الإمارات والسعودية، وبين الإمارات وعُمان في العام نفسه، وأيضاً خلال الأزمة الأخيرة بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى.
عام 2015، طفا التوتر إلى السطح بعدما قررت السعودية إغلاق الحقول النفطية المشتركة مع الكويت في منطقة الخفجي، التي تمتد جذور الصراع عليها إلى حقبة السيطرة الإنكليزية على المنطقة. خسائر طائلة تكبّدتها الكويت جراء ذلك، وحملت أميرها على زيارة السعودية من أجل إعادة افتتاح الحقول من دون التوصل إلى نتيجة. ظلّت الأمور تُؤخذ كويتياً بالروية والهدوء، إلى أن اندلعت أزمة قطر في حزيران/ يونيو 2017. رغم اتخاذ الكويتيين موقف الحياد، وإطلاقهم جهود وساطة بين الطرفين، بقيت الشكوك تراود السعودية إزاء نيات الدولة المحايدة. وهذا ما تجلى في غير موضع سياسي أو إعلامي، كما أظهر مثلاً الهجوم الذي شنّه رئيس هيئة الرياضة السعودية تركي آل الشيخ، على وزير التجارة والصناعة ووزير الدولة والشباب الكويتي خالد الروضان، على خلفية زيارة الأخير لقطر ولقائه أميرها تميم بن حمد، لتقديم الشكر له على الجهود التي بذلتها بلاده في رفع الإيقاف الدولي المفروض على الكرة الكويتية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

تراهن الكويت على عائدات «ميناء مبارك الكبير» الذي يصلها بالعراق


انطلاقاً من كل تلك المعطيات، بدأت دوائر صنع القرار الكويتي تقييم الأوضاع، ودرس التأثيرات المحتملة لأي «حصار» يُمكن أن يُفرض على البلاد. أعدّ المسؤولون تقريراً مفصلاً لأمير البلاد، يرد فيه أن أولى خطوات مواجهة الحصار البري الذي يمكن أن يحصل إذا ما قررت السعودية إغلاق حدودها مع الكويت، هي اللجوء إلى سدّ حاجاتها المطلوبة عبر الحدود المشتركة مع العراق. أما بالنسبة إلى الحدود البحرية، فإن افتتاح «ميناء المبارك الكبير» عام 2021، على جزيرة بوبيان الواقعة بالقرب من ميناء «أم قصر» العراقي، سيعطي الكويت منفذاً بحرياً مهماً جداً. طبقاً للتقرير الكويتي المشار إليه، سيكون الميناء قادراً على القيام بأعمال مناولة الحاويات والخدمات قبيل حلول الموعد المقرر لذلك، وهو سيسهم في تخفيف الضغط عن بقية الموانئ. وبحسب تصريح سابق لوزير الدفاع الحالي ناصر الصباح، إن «فكرة المشروع جاءت من أهمية تلك المنطقة وحساسيتها وجغرافيتها، ولا سيما قربها من حضارتي بلاد ما بين النهرين (العراق وإيلام في إيران)، إضافة إلى شط العرب الواقع بينهما. كذلك فإنها تعزز فتح آفاق التعاون مع دول الجوار (إيران والعراق)، إذ ستصبح هذه المنطقة بيئة خصبة جاذبة للاستثمار والسكن، ومنطقة تجارية حرة استثنائية تخدم شمال الخليج». يتابع التقرير المرفوع إلى أمير الكويت أنّ من المستبعد أن تواجه البلاد مشكلة حقيقية بالنسبة إلى تأمين المواد الأولية وسدّ الحاجات، خصوصاً أن الكويت تصدّرت قائمة الدول العربية من ناحية الأمن الغذائي عام 2017. أما على صعيد إمدادها لشبكة كهرباء دول مجلس التعاون الخليجي، فهو الآخر لن يتأثر أيضاً، بحسب ما أكدت تجربة «حصار» قطر، حيث أمدّت الكويت، الإمارات، بـ200 ميغاوات عام 2018، والبحرين بـ150 ميغاوات من إنتاجها.
الضربة المحتملة ستكون في الخاصرة الرخوة للاقتصاد الكويتي: المجال السياحي. بحسب الإحصاءات الرسمية، استقبلت الكويت عام 2016 نحو 3 ملايين شخص من دول مجلس التعاون الخليجي، من بينهم 2.5 مليون سعودي وبحريني وإماراتي. سيؤدي أي نوع من الحصار أو العقوبات إلى منع سفر المواطنين إلى الكويت، وبالتالي إلى خسائر مادية كبيرة في قطاع السياحة، خصوصاً أن ميزانية الخطوط والرحلات الجوية الكويتية يفترض أن تصل عام 2021 إلى نقطة توازن بقدرتها على الاستمرار دون دعم الدولة، لكن المقاطعة المحتملة ستعرقل تلك الخطط. ومع ذلك، يبقى الرهان على إدارة الكويت المشتركة مع السعودية والإمارات والبحرين لعدد من الشركات العربية، بما يجعل حجم التبادل التجاري بين هذه الدول كبيراً جداً. وبحسب التقرير نفسه المرفوع إلى أمير الكويت، إن أي حصار على البلاد سيؤدي إلى الإضرار بالرياض وأبو ظبي والمنامة قبل الكويت.
أما العامل الأكثر إراحة لبال المسؤولين الكويتيين، فهو حجم الذخائر الحكومية في مجال العملات الصعبة في الكويت، والذي يفوق 524 مليار دولار. يصعب أن يهتز اقتصاد دولة تملك هذا الحجم من الذخائر، ناهيك عن أن المؤسسات الدولية «ستاندرد آند بورز» و«موديز» و«فيتش» منحت الكويت تصنيف «AA2» و«AA»، وهو أعلى تصنيف سيادي طويل الأجل بين الدول العربية. تقوم وكالات التصنيف الائتماني هذه بتقييم المخاطر المتعلقة بإصدارات الدين، سواء للشركات أو الحكومات. وتُعدّ قدرة المصدر على الوفاء بتسديد فوائد الدين والأقساط المترتبة عليه أهم مؤشر للجدارة الائتمانية. بُنيت صدارة الكويت على أن استدانتها لا تتجاوز 18.6%، وأي حصار أو عدوان عليها سيكون بإمكان الدولة مواجهته بالاستدانة بنسبة أرباح قليلة جداً. كذلك إن الاحتياطي في المصرف المركزي في مجال العملات الصعبة في الكويت تجاوز 33 مليار دولار، وبإمكان الكويت الاستفادة من العملات الأخرى بشكل متكامل في مواجهة أي عدوان.
على مرّ سنين طويلة، عاشت الكويت تحت وطأة «الأخ الأكبر» (السعودية) الذي يحدّها جنوباً من جهة، وضغط نظام صدام حسين الذي حدّها شمالاً وغرباً من جهة أخرى. تحررت من الأخير بعد الغزو الأميركي عام 2013، وبدأت تدرس التحرّر من الثقل الأول، عبر بحث إقامة تحالفات اقتصادية جديدة مع العراق وإيران، تخرجها من «عقدة» صغر حجمها في محيطها.