القاهرة | السلطة التي انعقدت في الثالث من تموز الماضي بإدارة شكلية لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور، وقيادة فعلية لوزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، تمكنت من تقديم نفسها في دور المنقذ من حكم «الإخوان» والمحارب ضد الإرهاب، واستطاعت بذلك بناء شرعية مدعومة من تحالف سياسي فضفاض ضم أطيافاً سياسية من اليمين إلى اليسار حول القلب الصلب للدولة. لكن دخول أول استحقاق انتخابي حيز التنفيذ سيُلزم سلطة الثالث من تموز ببناء شرعيتها على أسس مختلفة تُبنى على ما ستخرج به صناديق التصويت على الدستور الجديد.


إن مجرد عقد الاستفتاء على الدستور الجديد يمثل للسلطات المؤقتة، وخاصة الجيش، أهمية خاصة حتى قبل إعلان النتيجة. فعقد الاستفتاء في حد ذاته يحمل رسالة تأكيد على عدم طمع الجيش في السلطة، وأنه تدخل فقط لإنقاذ البلاد من حكم «الإخوان»، ثم وضع الخيارات أمام المواطنين بعد ذلك. يعدّ إذاً الاستفتاء فرصةً جيدةً للجيش للتعبير عن حسن نواياه التي أعرب عنها على لسان قائده العام في الثالث من تموز، ويساعد في دحض القول بأن ما حدث كان انقلاباً كما يقول المعارضون.
الأمر الثاني في إجراء الاستفتاء هو نجاح السلطات المؤقتة في معركتها ضد جماعة الإخوان المسلمين. فمجرد نجاح الاستفتاء يعني أن «الإخوان» وحلفاءها فشلوا في إعاقة خطوات خريطة الطريق التي أعلنها السيسي عقب عزل الرئيس محمد مرسي، وهو ما يعني إمكانية الثقة بقدرة الجيش على السيطرة على الأوضاع.
إجراء الاستفتاء، بذلك، يحمل رسائل متعددة؛ للخارج «ليس انقلاباً»، وللداخل «قادرون على السيطرة»، وللإخوان «لن توقفونا»، وللجميع نحن جديرون بإدارة البلاد. وهنا تأتي الأهمية الكبرى للاستفتاء وما سيترتب عليه. فإذا كانت تلك الإشارات التي يرسلها انعقاد الاستفتاء، فإن نتائجه تعني أن من يدير السلطة بالفعل اليوم ويتمكن من مواجهة مقاومة «الإخوان» وحلفائها وإقناع الخارج بالاعتراف بالسلطة القائمة وكسب دعم سخي من الحلفاء الإقليميين والدوليين هو الجدير بالفعل بإدارة دفة البلاد في المرحلة القادمة.
ولكن لكي تصبح لنتيجة الاستفتاء قيمة حقيقية، فعلى أقل تقدير ينبغي ألا تقل نسبة التصويت، ومن وافق عليه عن النتائج التي تحققت من قبل؛ فالاستفتاء الأول عقب «ثورة يناير» كان على الإعلان الدستوري للمجلس العسكري في آذار 2011، والذي حشدت فيه القوى الإسلامية مجتمعة للتصويت عليه بـ«نعم»، وكان إجمالي من لهم حق التصويت في الاستفتاء 45 مليون مواطن، حضر منهم نحو 18.538 مليوناً للإدلاء بأصواتهم، أي 41% ممن يحق لهم التصويت، وصوّت بنعم 14.192 مليوناً بنسبة تعادل 77.2%. وهي نسبة مرتفعة وحضور ضخم يعدّ الأكبر في تاريخ التصويت في مصر. أما الاستفتاء على دستور 2012 والذي اصطلح عليه اسم «دستور الإخوان» فقد حصل على موافقة 10.693 ملايين بنسبة 63.08%، في مقابل رفض 6.61 ملايين بنسبة 36.2%، من إجمالي عدد الناخبين المقيدين وهو نحو 51.919 مليون ناخب، صوّت من بينهم 17.58 مليوناً و317 ناخباً.
لقد استخدمت السلطات الحالية الحشود الجماهيرية لبناء شرعيتها منذ 30 حزيران الماضي، وهي شرعية ذات طابع أدبي وليس قانونياً. وبالاستفتاء على الدستور، تنتقل شرعية تلك السلطة إلى المستوى القانوني المدعوم بصناديق الانتخاب والتي ستكون المرة الأولى التي تعلن تلك الصناديق نسباً في غير صالح «الإخوان»، ما سيؤهل السلطات لترتيب أوضاع ما بعد الاستفتاء.
أهم هذه الترتيبات بالطبع هو موقف وزير الدفاع من الترشح لرئاسة الجمهورية. وقد لمّح هو نفسه في عدة مناسبات؛ آخرها كان السبت الماضي بأنه سيخضع لإرادة الجماهير إذا طلبت منه الترشح، وأن الأولوية الآن هي لاستحقاق الدستور، في إشارة واضحة إلى أن حجم الإقبال على التصويت ونسبة الموافقة عليه سيحسمان قرار السيسي بالترشح لانتخابات الرئاسة. الاحتمال الثاني، وهو عدم الإقبال على التصويت، أو التصويت عليه بـ«لا» أو حتى الموافقة عليه بفارق طفيف، يبدو ضعيفاً جداً في ظل حالة التعبئة التي تقوم بها الدولة والقوى السياسية المتحالفة معها والتي تصل إلى اتهام أي معارض للدستور بالعمالة والخيانة. ولكن إذا ما تحقق أيّ من تلك الاحتمالات، فهذا سيدفع بشدة الرياح في أشرعة الإخوان وحلفائهم، بما يعني افتتاح مرحلة جديدة من الصراع والمواجهة ستفوق قوتها كل ما سبق وستصبح السلطة القائمة في مأزق حقيقي، وقد لا يصبح أمامها إلا استخدام المزيد من العنف.
تبدو مفهومة حماسة السلطة الشديدة تجاه الاستفتاء على الدستور والعداء الشديد لكل من يرفض الدستور، إلى درجة اعتقال من يحمل دعوات تحمل «لا للدستور» وكأن الاستفتاء على الدستور لا يتضمن سوى خيار الموافقة فقط! تبدو مفهومة تلك الحماسة إذا ما وضعناها في مكانها الحقيقي كنقطة فاصلة، تؤكد بها المؤسسة العسكرية قدرتها على المضي قدماً في خريطة الطريق، رغم مقاومة «الإخوان»، وتنتقل بها السلطة التي يقودها وزير الدفاع من الشرعية الأدبية المدعومة بتحالف سياسي واسع إلى شرعية قانونية مدعومة بصناديق التصويت.
وإذا كان الاستفتاء على الدستور خطوة ضرورية لوزير الدفاع في حال كان ينوي الترشح لرئاسة الجمهورية ليتحول من قائد فعلي لهذه المرحلة إلى رئيس منتخب، فإن نقطة التحول هذه قد تتضمن تغيير الرئيس المنتخب للتحالفات التي عقدها كقائد لخريطة الطريق. ففي المرحلة الراهنة، هو يحتاج إلى الكثير من القوى السياسية التي توحي بالإجماع الشعبي على الخطوات التي يتخذها، حتى وإن كانت دموية. ولكن عندما يصبح رئيساً منتخباً، فإن خريطة التحالفات قابلة بشدة للتبدل، وخاصة مع عودة رجال دولة الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى الظهور، وخاصة أنهم الأكثر خبرة بإدارة أجهزة الدولة.
الدستور الذي تفتح صناديق الانتخاب للاستفتاء عليه يتضمن مواد شديدة الأهمية للمؤسسة العسكرية، مثل تحصينها وحمايتها وحق القضاء العسكري في محاكمة المدنيين في حالات عدة. لكن ما يُقدمه الاستفتاء على الدستور للمؤسسة العسكرية أهمّ بكثير من تلك المواد، فبموجب هذا الاستفتاء تعلن المؤسسة العسكرية قدرتها على إدارة الدفة في المرحلة الحرجة، وبنتائجه قد يصبح رأس المؤسسة العسكرية رئيساً منتخباً، وبعد ذلك يبدو أن كل شيء قابل للتبدل.