وصلت إلى «الأخبار» رسالة من الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، الأسير أحمد سعدات، من سجون الاحتلال الإسرائيلي (تنشر لأول مرة) وجّهها بتاريخ الثاني عشر من الشهر الجاري، وذلك لإيضاح موقفه من التوقيع المنسوب إليه على وثيقة تأسيسية لما يسمى «الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديموقراطية واحدة»، وهي مبادرة أطلقتها مجموعة نشطت إبّان الأزمة السورية ضد دمشق وحلفائها. وعلى مدى سبع سنوات، كان تركيز هذه المجموعة على الشأن الداخلي السوري، وعندما انخفضت حدة التوتر عادت إلى الحديث عن «دولة فلسطينية علمانية».


يظهر في الوثيقة التي نشرتها تلك المبادرة التي تصف «المهاجرين الإسرائيليين» بـ«التجمع اليهودي» في فلسطين، الأهداف للحركة قيد التأسيس، وهي «تهدف إلى مشاركة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وفي الشتات في هذا النضال، وكذلك ‏مشاركة السكان اليهود في هذا النضال المشترك الهادف ‏إلى تشكيل بديل شعبي يحمل مشروع الدولة العلمانية الديموقراطية، ويناضل بأشكال مختلفة من أجل إنهاء الدولة ‏الصهيونية، وإعادة بناء المجتمع والدولة على عدة أسس».
قد تبدو شعارات الوثيقة «برّاقة» وهي تتحدث عن تفكيك الدولة الصهيونية وقيام دولة فلسطينية علمانية مستقلة تتبنى أسس المواطنة للجميع، لكن من الملاحظ غياب «الاشتراكية» كبند واضح في الوثيقة. وعوضاً عن تضمين الأدبيات اليسارية المعروفة، بدت لغة الوثيقة أقرب إلى الخطاب الحقوقي الذي انتشر في السنوات الأخيرة مع موجة منظمات المجتمع المدني، وخصوصاً تلك التي تعادي الأحزاب الموصوفة بالراديكالية.


طالب سعدات المشاركين في هذه الوثيقة بسحب تواقيعهم

من زاوية أخرى، يثير توجيه وثيقة تحتاج إلى ذلك الكمّ الكبير من النقاش الطويل إلى شخص أحمد سعدات، وهو أحد رموز النضال الفلسطيني في السجون، حيث التواصل صعب والحوار محدود، عدداً من الأسئلة، وخاصة أن سعدات يرأس فصيلاً فلسطينياً (الجبهة الشعبية) موجوداً في الساحات كافة يستطيع اللقاء بكل أريحية مع مؤسسي الحركة والنقاش معهم، وهذا على ما يبدو لم يحدث، وكأن هناك تعمداً في فصل رأس الهرم في «الشعبية» عن باقي الجسم التنظيمي. ومن هنا يُفهم ذكر سعدات من دون ذكر للجبهة ككل.
أما في ما يخص «الدولة الفلسطينية»، فهي في الوثيقة تتشابه مع مفهوم رئيس السلطة، محمود عباس، لـ«الدولة»، إذ يجمع بينهما غياب «خطاب المقاومة».
وهذه من المرات القليلة التي يعتذر فيها سعدات عن اتخاذه موقفاً ملتبساً ويتراجع عنه بكل شفافية، وخاصة أن رسالته كانت تتمحور حول إعلان انسحابه من توقيع الوثيقة، واعتراضه على شخوص حملة الفكرة، ويظهر ذلك في تسمية أحدهم صراحة والطلب منه مراجعة موقفه والعودة إلى مؤلفاته السابقة.
وفي تعليق لقيادي في «الشعبية»، قال إن «رسالة سعدات تؤكد أنه لا يمكن العودة إلى النقطة التي انطلقت منها المبادرة (الحركة الشعبية) بعد سبع سنوات عجاف من دون الأخذ بالاعتبار تطورات الموقف»، في إشارة إلى الموقف القطري. وأضاف هذا القيادي، أنه «من دون وجود اسم الأمين العام للجبهة، على الأرجح أن لا قيمة معنوية للوثيقة المذكورة التي تظهر فيها أسماء إسرائيلية يسارية... ذكر اسم سعدات استغلال لأسماء بعض المناضلين في السجون وهذه ليست المرة الأولى». كما شرح، في حديثه إلى «الأخبار» أن سعدات تلقى العديد من الرسائل في الوطن والشتات وضّحت له الصورة حول مواقف هذه المجموعة، مستدركاً: «لا نعرف كيف غاب عن بال هذه المجموعة قدرة تنظيم مثل الشعبية على التواصل مع قيادته في السجون وإجلاء أي مواقف قد تمس وحدة التنظيم وتماسكه؛ ربما استسهلوا إضافة اسمه من دون احترام القنوات الداخلية للجبهة والموقف العام للحزب».



ننشر في ما يلي نص الرسالة

ورد لي الكثير من الملاحظات على وثيقة «الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية وديموقراطية» التي لم أكن أملك تفاصيلها قبل توقيعي عليها، لذلك من الضروري التنبيه إلى الحيثيات التالية إجابة مني عن الكثير من الملاحظات والتساؤلات التي وصلتني حول هذا الموضوع:
1) أسباب توقيعي في البداية على الوثيقة أنها كما وصلتني تنسجم مع رؤية الجبهة في هذا العنوان، ولا سيما أن هذا الموضوع أصبح مثار نقاش جدي في ضوء الأوضاع الراهنة. ولذلك آمل أن تتداعى قوى اليسار العربي وكل المفكرين التقدميين فوراً لمناقشة هذا العنوان والوصول إلى وثيقة مكتملة العناصر تنسجم مع ثوابتنا وتزيل حالة الالتباس واللغط حول الكثير من مضامين هذا العنوان. وأنا مستعد من موقعي الضيق لأن أساهم في هذه الوثيقة، وخاصة أنني أعكف على إعداد دراسة معمقة حول هذا الموضوع وآمل أن تشكّل إضافة نوعية تثري النقاشات حوله. وعلى هذا الأساس، أدعو كل من وقع على وثيقة «الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية وديموقراطية» إلى سحب تواقيعهم عليها، والانضمام إلى جهود إثراء الموضوع، وصولاً إلى وثيقة شاملة تصبح مرجعاً لمشروع الدولة الواحدة ينسجم مع حقوقنا الوطنية والقومية.
2) فاجأني أن المسؤولين عن هذه المبادرة ضيوف أعزاء على قطر، الأداة الرجعية الأميركية المعروفة في المنطقة والمتماهية مع المشروع الإمبريالي الصهيوني، وهذا أمر لم أكن أيضاً في صورته وسبب إضافي لسحب توقيعي على الوثيقة.
3) من موقع الحرص على إشراك أكبر قدر من المفكرين والتقدميين في هذا النقاش المهم، أنصح الرفيق سلامة كيلة بتقويم موقفه الراهن من الأزمة العربية والتطورات الأخيرة في ما يعُرف بالربيع العربي لينسجم مع روح ما جاء من أفكار تضمنتها دراسته «أطروحات من أجل ماركسية مناضلة»، لتصب في خدمة مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني وأدواته الرجعية في المنطقة.
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
15-1-2018