تتباين النظرة الإسرائيلية إلى كل من الضفة المحتلة وقطاع غزة، بناء على خلفيات تاريخية وأيديولوجية وإستراتيجية، ولكن كليهما يقع على المهداف الإسرائيلي، كلٌ وفق ظروفه وموقعه في الإستراتيجية الإسرائيلية العامة. وبرغم أولوية الضفة، لم يفوِّت العدو فرصة احتلال القطاع من أجل استيطانه، لكن انتفاضة الأقصى التي انطلقت عام 2000 دفعته إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من القطاع وإخلائه من المستوطنات عام 2005. فتحوَّل إلى محطة فاصلة في حركة الصراع الدائر على أرض فلسطين.


لم ينجح العدو في التخلص من عبء غزة، لأن أهلها لم يتخلوا عن حقيقة أنهم جزء من فلسطين. وقضيتهم هي قضية فلسطين بأكملها. فلاحقت المقاومة جنود العدو واستهدفت مستوطناته ووصلت صواريخها إلى عمق الأراضي المحتلة.
في المقابل، تراجع سقف الأهداف الإسرائيلية بعد تحرير القطاع ــ بفعل مجموعة من العوامل من الاحتلال والاستيطان ــ إلى محاولة تطويعه وردع فصائل المقاومة فيه، ومنعها من تطوير قدراتها. ومن أجل ذلك، شن العدو حروباً متعددة على مدد متفاوتة. وكل عملية عسكرية، كانت شاهداً وكاشفاً عن إخفاق العملية التي سبقتها، وخاصة على ضوء نجاح الحلفاء الإقليميين للمقاومة في تزويدها بالخبرات المتنوعة وبالقدرات الصاروخية، رغم الطوق المفروض حول القطاع، كما نجحت المقاومة نفسها في تطوير بعض قدراتها.

تحاول إسرائيل اجتراح
صيغة تجمع بين الهدوء ومنع حشر الفلسطينيين

لكن، ما اختلفت به الحرب العدوانية الأخيرة أنها استمرت 51 يوما وألحقت دمارا هائلا بغزة، فضلا عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى، وهو ما فاقم الواقع الضاغط والمؤلم في ظل استمرار الحصار في كل المجالات.
أيضا، هنا لم ينجح العدو في تحقيق ردع تام ومستقر يضمن له ألا تتفجر الأوضاع مرة أخرى، وبالتزامن، شهدت المنطقة سلسلة من التطورات الإقليمية كان لها حضورها البالغ على مقاربة صانع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، إزاء الساحة الفلسطينية عامة، وغزة خاصة. هكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع مركب إزاء القطاع؛ فهي من جهة تريد استمرار حالة التهدئة، ومن جهة أخرى تريد منع تعاظم قدرات فصائل المقاومة على المستوى الصاروخي، وتحديدا ما يصل منها إلى عمق الكيان، وذات قدرات تدميرية.
في الوقت نفسه، ليس من مصلحة إسرائيل دفع سكان القطاع نحو حالة يشعرون معها أنه لم يعد هناك ما يخسرونه، على أن الدمار المنهجي والكبير الذي نفذه جيش العدو وآلاف الإصابات التي ألحقها بالمدنيين يدفعان نحو اتجاهين مضادين؛ فمن جهة يعمل العدو على توظيفهما لتعزيز قدرة ردعه، عبر التلويح بتكرار نسخة العدوان، بما يؤدي إلى إضافة الآلام إلى الآلام، والدمار إلى الدمار، على أمل أن يدفع ذلك فصائل المقاومة إلى الامتناع عن تنفيذ العمليات ضد قوات العدو ومستوطنيه. وضبط أي طرف آخر يحاول إرباك الساحة الأمنية عبر إطلاق الصواريخ.
ومن جهة أخرى، يمثل استمرار الواقع المؤلم بفعل الدمار والحصار، دافعا ومحفزا إضافيا لسكان غزة لتأييد كل محاولة ضغط صاروخي لفك الحصار، أو على الأقل لتخفيف وطأته، بل قد يتحول هذا الخيار إلى مطلب عام، وهو ما عبر عنه وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون بالقول، أمام معهد «فيشر»، إنه «ينبغي عدم إيصال الطرف الفلسطيني إلى مرحلة يقول فيها: ليس لدي ما أخسره، وللخروج من الضائقة سأذهب الآن إلى التصعيد».
بين هذين الحدين، تحاول إسرائيل اجتراح صيغة ما تجمع بين تحقيق الهدوء، وما يحول دون حشر الطرف الفلسطيني نحو تفجير معادلة الهدوء القائمة، وخاصة أن حكومة بنيامين نتنياهو تستبعد من خياراتها التسوية النهائية، فضلا عن أن ظروف التسوية غير ناضجة، لا على المستوى الإسرائيلي ولا الفلسطيني، إلى جانب إخفاق كل الحروب السابقة في تحقيق ردع تام ومستقر يوفر لإسرائيل الأمن والاستقرار.
في هذه المرحلة بالذات، توالت الوساطات التي تحاول التوصل إلى تهدئة طويلة الأمد، وهي تستند إلى:
1. حاجة القطاع وسكانه ومعهم المقاومة إلى صيغة تؤدي إلى رفع أو تخفيف آلام الناس بفعل الخسائر البشرية والعمرانية التي ألحقها العدوان، وأيضاً بفعل استمرار الحصار.
2. حاجة إسرائيل إلى تكريس حالة التهدئة التي تحتل أولوية متقدمة لدى العدو عامة، ونتنياهو خاصة، اذا كان الحديث عن اتفاق يستطيع ترويجه على أنه إنجاز ونتيجة للحرب الأخيرة.
لكن، أقصى ما يطمح إليه نتنياهو في هذه المرحلة هو إبقاء التهدئة مع الحصار الذي يمنع تراكم القدرات العسكرية للمقاومة في غزة. أما الحصار المدني فقد يكون من المجدي، وفق معايير إسرائيلية، المساومة عليه مقابل تنازلات تؤدي إلى استقرار جنوب الأراضي المحتلة.
وقد تسمح التهدئة المفترضة، لحكومة نتنياهو، بتحييد هذه الجبهة التي كثيراً ما شغلت الاحتلال واستنزفته وفرضت عليه مسارات أمنية وسياسية لا تتلاءم مع ما يُفترض من أولويات إسرائيلية في هذه المرحلة. لذا، فاذا تمخض هذا المسار عن تهدئة مشروطة بالسقف الإسرائيلي الجديد، يمكن للقيادة الإسرائيلية أن تتفرغ كلياً لمواجهة ما تعده «أولوية» في هذه المرحلة، وتحديداً لجهة المسار التفاوضي بين إيران والسداسية الدولية، وما يُقدّر أن يترتب عليه من مفاعيل سياسية وأمنية واستراتيجية، والتهديد الإستراتيجي الذي يُمثله حزب الله، والاستعداد لمآل التطورات التي قد تشهدها الساحة السورية.
وانطلاقا من أن نتنياهو «ينظر إلى التحدي في الجبهة الشمالية مقابل حزب الله على أنه التهديد الأمني الأخطر»، ويرى أن هذا التهديد قد يتصاعد في السنوات القريبة المقبلة ويصل إلى حد نشوب مواجهة عسكرية واسعة، فإن وقفا لإطلاق النار طويل الأمد في غزة، سيعفيه بصورة مؤقتة من وجع رأس مقلق، وسيسمح للجيش الإسرائيلي «بالتركيز على المواجهة الصعبة وذات الاحتمالات العالية بالاشتعال».
ويفترض أن تسمح التهدئة، المستندة إلى صيغة اتفاق، لحكومة العدو «بتقديم الحرب في غزة خلال الصيف الماضي، كإنجاز طويل الأمد، بدلاً من كونها مهمة غير منجزة وتخضع للخلاف في الساحة الإسرائيلية، كما تبدو اليوم». وسيكون بإمكان نتنياهو أيضا، أن يبرر بنظرة إلى الوراء، خطواته في غزة، والقول إن موافقة «حماس» على وقف لإطلاق النار طويل تعكس نجاح الجيش الإسرائيلي في الحرب.
وكما أن حماس لن تكون مطالبة بتقديم تنازلات تتصل بالاعتراف بإسرائيل، وبالتسوية السياسية القائمة على أساس اتفاق أوسلو، لن تكون حكومة نتنياهو مطالبة بتقديم تنازلات مبدئية للحركة، لجهة الاعتراف الفعلي بها أو الانسحاب من أجزاء من الأراضي المحتلة، بل يمكن لنتنياهو عبر الاتفاق معها الالتفاف على رئيس السلطة محمود عباس، من ناحية اليمين، كما سيكون بإمكانه مواجهة قسم من الادعاءات في الساحة الدولية بأن إسرائيل لا تفعل شيئاً على المسار الفلسطيني.
في كل الأحوال، تبقى الكلمة الأخيرة لموقف «حماس» وبقية فصائل المقاومة التي ستحسم إمكانية التوصل إلى اتفاق تهدئة وبأي شروط. وبرغم أن أياً من السيناريوات ليس محسوماً ولا تزال الأمور تخضع للتفاوض والبحث، تواجه المقاومة في القطاع استحقاقاً مهما يتمثل في الضغوط التي يمثلها الواقع المؤلم لسكان القطاع، وتجهد قوى المقاومة لتغييره. وتواجه أيضا محاولات ضغط تأخذ شكل وساطات ترمي إلى تثميره باتجاه فرض تنازلات على السقف الذي تتبناه المقاومة حتى في سياق العناوين المرحلية، ولكن، تبقى مجموعة من العقبات والإشكالات منها ما يتصل بقضايا أخرى متداخلة، لجهة استمرار اعتقال آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية، وأيضاً السياسة الأمنية والعملانية التي تتبعها إسرائيل في الضفة المحتلة والقدس.
مع ذلك، يبقى لهذا المسار، وجه علاقة مع المستجدات التي تشهدها المنطقة، على مستوى التحالفات والتقاطعات استنادا إلى ما أنتجته التطورات الاقليمية من تهديدات وفرص يقاربها كل طرف من موقع أولوياته وخلفياته. وفي إسرائيل، هناك من يرى أن من دوافع «حماس» للسير في هذا الاتجاه علاقاتها المستجدة الاقليمية، وهو ما عبر عنه المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل حينما قال: «قد يكون للتقارب الملموس بين الجناح السياسي في حماس والسعودية صلة بذلك، إذ تبدو حماس في هذه اللحظة أكثر استعداداً لقبول شروط الاتفاق أكثر من إسرائيل».