القاهرة | سيارة مفخخة تضرب وسط القاهرة صباح أمس. الاستهداف «ثقيل» هذه المرة، فقد أطاح النائب العام المصري المستشار هشام بركات، في عملية اغتيال لمسؤول رفيع في الدولة. هذا الأسلوب لم تعتده «المحروسة» التي كانت تستعد بحذر للاحتفال بالذكرى الثانية لـ«30 يونيو»، مع أن عملية ماضية (انتحاري) استهدفت وزير الداخلية السابق ولم تنجح في قتله. بركات كان متجهاً كالعادة من منزله في ضاحية مصر الجديدة إلى مقر عمله في دار القضاء العالي.


لكن الانفجار الضخم بسيارة كانت متوقفة في الطريق الذي يمر فيه قتله وأصاب عشرة من مرافقيه بحالات حرجة. وتقول التحقيقات الأولية إن التفجير حصل عن بعد، ولا دلالة على وجود انتحاري.

قبل ساعات من التفجير
نشر «ولاية سيناء» فيديو
اغتيال ثلاثة قضاة

بركات لم يمت من الفور، وتضاربت الأنباء حول مصيره حتى وصوله إلى مستشفى النزهة الدولي، حيث أُعلنت وفاته بعد أربع ساعات تقريباً، بعدما خضع لجراحات دقيقة وعاجلة بسبب إصابته في البطن والقدم والرأس، ولكن الأطباء لم ينجحوا في إيقاف النزف.
بعد أقل من ساعتين، حضر وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، إلى مكان الانفجار على الحادث، ثم عقد اجتماعاً عاجلاً مع الرئيس عبد الفتاح السيسي لإطلاعه على نتائج التحقيق. واللافت أن عبد الغفار نفسه، كان قد أعلن قبل ساعات من الاغتيال (خلال اجتماع مع مساعديه) بدء العمل بخطة طوارئ أمنية استعداداً للتصدي لأي عمليات «إرهابية» قد تحدث بالتزامن مع الذكرى الثانية لـ«ثورة 30 يونيو» التي أطاحت حكم الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي.
وعملياً، يعتبر حادث اغتيال بركات الأعنف منذ تصاعد العمليات ضد السلطات في مصر، بخلاف ما يدور في سيناء، إذ أخفقت العمليات السابقة ضد كبار المسؤولين، ومنها محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم، في أيلول 2013، كذلك جرت محاولة لاغتيال بركات نفسه بالعبوات خلال دخوله إلى مكتبه، لكنها لم تصبه وأدت إلى مقتل أحد المواطنين وإصابة أحد حراسه، قبل نحو ثلاثة أشهر.
التحقيقات الأولية بشأن الحادث أمس، كشفت وفق مصادر أمنية عن وجود مراقبة لموكب النائب العام من عشرة أشخاص يعمل على تحديد هوياتهم، بينما يجري التحقيق مع أربعة مشتبه فيهم أمام نيابة أمن الدولة، علماً بأنه جرى تفجير السيارة المفخخة المتوقفة خلال مرور سيارة بركات المصفحة بجوارها. وتجاوزت خسائر الحادث عشرة ملايين جنيه (100 دولار = 760 جنيه) بعد تهشم أكثر من عشر سيارات بالإضافة إلى محلات مجاورة، إذ إن الانفجار وقع في منطقة مأهولة بالسكان. ولوحظ أن سيارة النائب العام المصفحة وسيارتي الحراسة المرافقتين له دمرت بالكامل.
على الصعيد نفسه، ألغى السيسي الاحتفالات التي كان يفترض إقامتها بمناسبة الذكرى الثانية للثورة، فيما سيكون على رأس مشيعي النائب العام الراحل في الجنازة العسكرية التي من المقرر أن تخرج ظهر اليوم من مسجد المشير في ضاحية القاهرة الجديدة ويحضرها كبار رجال الدولة.
وقد تولى المستشار زكريا عبد العزيز عثمان، وهو النائب العام المساعد، مهمات النائب العام مؤقتاً حتى ترشيح مجلس القضاء الأعلى برئاسة المستشار أحمد جمال الدين ــ الذي يتسلم منصبه اعتباراً من غد ــ أحد المستشارين في محكمة الاستئناف لتولي المنصب، ثم اعتماده من جهة الرئيس بقرار جمهوري، وعلم أن مجلس القضاء الأعلى ــ أعلى جهة قضائية ــ سيعقد اجتماعاً بتشكيله الجديد لترشيح خليفة للنائب العام.
يشار إلى أنه قبل ساعات من التفجير، نشر تنظيم «ولاية سيناء» التابع لـ«داعش» فيديو لعملية اغتيال ثلاثة من القضاة الشهر الماضي في مدينة العريش، شمال سيناء، متوعداً القضاة بمزيد من الاغتيالات إذا «لم يلتزموا العدل في أحكامهم»، وذلك في وقت يطلق فيه العديد من القضاة تصريحات «مستفزة» إعلامياً لجماعة «الإخوان المسلمين» وأنصارها ويصدرون أحكاماً مشددة بحقهم، وأبرزهم المستشار ناجي شحاتة.
جراء ذلك، قررت وزارة الداخلية تعزيز الخدمات الأمنية على القضاة لتأمين تحركاتهم خاصة القضاة الذين ينظرون في قضايا مهمة خلال المرحلة الحالية، وخاصة المتعلقة بجماعة «الإخوان» وقياداتها، وهو القرار الذي كلف عبد الغفار مساعديه تطبيقه سريعاً، بعدما تلقى تقارير من جهاز «الأمن الوطني» تؤكد إمكانية تزايد تنفيذ عمليات مشابهة ضد قضاة آخرين، ولا سيما أن التقنية التي نُفِّذ الهجوم بها متطورة للغاية، ولا يمكن إيقافها بأي طريقة سوى التعرف إلى أعضاء الخلايا خلال مرحلة التخطيط.
في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة المصرية بصورة مفاجئة أمس، اعتبار اليوم (الثلاثاء) عطلة رسمية «احتفالاً بذكرى ثورة 30 يونيو»، وهو القرار الذي جاء بصورة احترازية على ما يبدو لإتاحة الفرصة للأجهزة الأمنية من أجل فرض السيطرة غداً، إذ ستغلق البنوك والمصالح الحكومية أبوابها كافة.
رئيس نادي قضاة طنطا السابق المستشار عبد الستار إمام، قال لـ«الأخبار»، إن «الحادث الإرهابي الجبان الذي تعرض له النائب العام يهدف إلى إخافة القضاة وإرهابهم كي يتوقفوا عن ممارسة عملهم»، مشيراً إلى أن هذه الحوادث «لن تزيد القضاة سوى الإصرار على التمسك بقول الحق مهما تعرضوا للتهديدات». وأضاف إمام أن «الداخلية عليها اتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة القضاة»، موضحاً أن «القضاة سيقومون بممارسة عملهم حتى لو تكرر الأمر واستشهد آخرون».
من الجدير ذكره أن بركات جرى تعيينه في منصبه يوم 10 تموز 2013 بعد استقالة المستشار عبد المجيد محمود (النائب العام السابق) لوجود خصومه بينه وبين «الإخوان المسلمين»، ثم باشر بركات التحقيقات في عدة قضايا مهمة خلال تلك المدة من بينها فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وتخابر الرئيس الأسبق محمد مرسي، بالإضافة إلى قضايا العنف التي وقعت من الجماعة، وأيضاً تجاوزات الشرطة. وأثارت قرارات النائب العام الراحل كثيراً من الجدل، من بينها صدور قرارات بحبس أطفال وتأخر اتخاذ إجراءات حاسمة ضد ضباط متهمين في قضايا فساد، بينما كان آخر الجدل المصاحب له قبل أسابيع قليلة مع انتقال ابنته ضمن مجموعة مستشارين من العمل في النيابة الإدارية إلى العمل في منصة القضاء العادي، وهو الانتقال الذي جاء بمسابقة تقدمت لها أكثر من 600 مستشارة.