حمص | يخرج الأطفال من مدارس حي بابا عمرو حاملين «جلاءاتهم المدرسية» الموزعة نهاية العام الدراسي، بهدوء وسلام. يمشي سعيد، 9 سنوات، بمحاذاة سور بابا عمرو الاسمنتي الشهير الذي تم بناؤه لفصل منطقة «التوزيع الإجباري» عن الحيّ. يبتسم الصغير لزوار المكان، أسوة بالعديد من سكان الحي الذين يبلغون 8 آلاف نسمة، بعدما كانوا قبل «ثورتهم» يصلون إلى 70 ألفاً.


ملامح السكون والوداعة تخيّم على الوجوه، إذ يبدو أصحابها مواطنين يحاولون إثبات ولائهم للدولة السورية طوال الوقت، مصدّقين رواية الحكومة حول إعداد مشروع إعادة الإعمار القريب، والذي سيسمح لهم بالانتقال إلى بيوت تليق بانضباطهم الأمني الحالي، وعودتهم السريعة إلى حاراتهم منذ بسط سيطرة الجيش على المنطقة قبل عامين. وفي بابا عمرو، الذي يفتقد أغلب قاطنيه أسباباً تتعلق بتورّط الغائبين في الأحداث الدامية التي شهدها المكان، ستفاجأ بوجود مراكز إيواء يقطن فيها مئات النازحين. فبابا عمرو اليوم تعتبر من أكثر أحياء حمص أمناً.
في مدرسة «باحثة البادية»، عنوان ثان في تغريبتين خاضهما الأستاذ محمد جميل صوفان، الحائز ماجستير في اللغة العربية، والذي عاد من الاغتراب في الجزائر وليبيا منذ سنوات، إلى منزله في حي الخالدية، قبل أن يخرج منه مع بدء الأحداث الأمنية. المحطة الأولى لصوفان كانت مدرسة رضا صافي في حي كرم الشامي التي استخدمت خلال حرب المدينة مركز إيواء للنازحين من الخالدية، ثم إخلاؤها لاحقاً بسبب ضرورة عودة طلاب حي كرم الشامي الآمن، لإتمام تعليمهم فيها. يقول الرجل السبعيني بخجل: «عدتُ من الاغتراب إلى بلدي بعدما جمعت بعض المال، ما يكفل لي حياة كريمة. فانتهى بي الحال وحيداً في هذا المركز». نزيل آخر أضاعه القدر في مركز «باحثة البادية» للإيواء، إذ وجد الرسام «ماجد حالو» نفسه يزيّن جدران المكان برسومات، ويعتني بمزروعات وورود تضفي قليلاً من الحياة على وجوه سكان المبنى البائسين. الخروج من المركز يضعك في مواجهة جامع الجوري الذي تحوّل إلى مشفى ميداني أيام الحرب. يقول أحد المرافقين من أبناء الحي: «الرئيس وصل إلى هذا الجامع عند زيارته بابا عمرو». لا يظهر على المنازل الفارغة من سكانها ظاهرة «التعفيش» السائدة في معظم الأحياء التي شهدت صراعات مسلحة. يتباهى القيمون على حماية الحي بحفظ أغراضه ومنازله من أي محاولات سلب أو نهب. مشاغل خياطة ومخازن أدوات كهربائية، لأصحاب غائبين، ونوادٍ رياضية بكامل أجهزتها، تشهد على كلامهم.

مدارس... ومتاريس


420 برجاً سكنياً في بابا عمرو وجوبر والسلطانية
مفارق عدة، كانت أشبه بمتاهات أيام التظاهرات والملاحقات الأمنية والمعارك اللاحقة. جنائن مزروعة ملحقة بمعظم البيوت التي عاد بعض سكانها، فحاولوا الاستفادة من زراعة الخضر في استكمال شروط العودة، بهدف تأمين لقمة العيش. أطفال يلعبون في الساحات وبين المنازل في نقاط كانت منطلق خلايا مجهولة في السابق، عمدت إلى إخراج الحي عن السيطرة، واعتماده أول أحياء حمص المسيطر عليها من قبل «الجيش الحر». 700 عائلة هم الباقون من سكان الحي اليوم. يذهب الأولاد إلى المدارس التي عمدت الحكومة السورية إلى إعادة تأهيلها سريعاً. يقطعون السواتر الترابية حول المدارس، لمنع وصول السيارات، بعد حوادث تفجير السيارات المفخخة التي شهدتها حمص في محيط مدارسها. يمضي سليم، 7 سنوات، في طريقه اليومي إلى المدرسة. يضطر الصغير إلى التعايش مع مشاهد الدمار التي تحول بينه وبين الوصول إلى مدرسته. وعليه أيضاً أن يألف الصعود على الركام الذي لم تتم إزالته بعد، قبل الوصول إلى الساتر الترابي الأول الذي يصعد إليه بصعوبة لا يشعر بها رفاقه الأكبر سنّاً. يروي أبو عارف، مدير مدرسة حسان بن ثابت الابتدائية، كيف تم تكليفه بإدارة المدرسة منذ ثلاث سنوات، ففاجأه الركام المحيط وعمد بمساعدة القيمين على الحي إلى إصلاح المدرسة وبدء التعليم فيها، لتحتوي اليوم 352 تلميذاً من الصف الأول حتى الخامس الابتدائي.
يتحرك أستاذ المعلوماتية محمود الشامي، ابن بابا عمرو، بين مناطق الحي، مستفيداً من خبرته في المكان. شهد الشامي أحداث المكان الدامية، غير أنه خرج سريعاً مع تسلّم المسلحين زمام الأمور، وسيطرتهم على المدرسة التي كان يدرّس فيها. يشير الأستاذ الثلاثيني إلى ما حلّ بمختبر المدرسة الذي كان مزوداً بمعدات حديثة لتجارب الطلاب العلمية. يقول بحسرة: «بعض الأجهزة تجاوز سعرها 250 ألف ليرة. خرّبوها بحقد. وكسّروا معدات المختبر جميعها». يروي عدد من الأهالي كيف حوصر ضباط سوريون مع عناصرهم في برج الملعب، وكيف قتل «الثوار» عناصر من الجيش في مبنى المؤسسة الاستهلاكية التي كانت توزع السكر والمواد الغذائية على محافظة حمص بأكملها، ما أدى إلى سرقة المواد وضرب عربات الجيش بعد قتل عناصره، أمام أعين سكان الحي.
لدى سائق التاكسي محمد المنشف الكثير ليقوله عن الأحداث الدامية، غير أنه يكتفي باستذكار تخفّيه في ملجأ بيته أيام المعارك الأخيرة، إلى أن سيطر الجيش على الحي وفتح الجنود باب ملجئه وأخرجوه إلى الحياة. يقول ساخراً: «عم أركض ع أكل العيش هلا. أيام زمان كان عندي دخل ثابت. كنت مخبري أسنان محترم».

... وأطباء بابا عمرو

لدى الدكتور نجم الدين البريجاوي الحكاية كلها، إذ كانت صيدليته الأولى في الحي، حيث افتتحها عام 1979. كما كان أول من أعاد افتتاح صيدليته بعد المعارك الأخيرة. يبدو الرجل متفائلاً. يعرض الشاي على ضيوفه، محاولاً أن يسبغ خفة ظله على جلسة رآها ذات شجن، باعتبارها عائدة إلى أيام الحرب. كان يأتي من منزله في حي الإنشاءات، فيعترضه «أولاد» مسلّحون، يطلبون بطاقته الشخصية ويعرقلون سيره، بالرغم من معرفتهم به، وإعطائه حقناً طبية لمعظمهم بحكم مواكبته طفولتهم، حسب تعبيره. ومع اشتداد الاشتباكات، كان البريجاوي يغير طريقه، خلال عودته إلى منزله، خوفاً من الرصاص الطائش. غير أنه لم يترك الحي، رغم سرقة صيدليته مرتين. يقول: «كانوا يجمعون الأدوية في الأدراج الخشبية، ويذهبون بها إلى المشافي الميدانية. انظري. معظم الخزائن بلا أدراج».
في المستوصف الصحي يظهر بوضوح ما أرادته الحكومة السورية لحي بابا عمرو. إصرار الأطباء على الدوام اليومي، والقيام بواجباتهم تجاه أهالي الحي، في مواجهة مساحات هائلة من الدمار حول المبنى، تعطي فكرة عن تحدي الظروف الحالية، بهدف الاستعداد لخلق واقع أفضل. يشرح مدير المركز الصحي الدكتور عبد الحكيم الجوري الخدمات الطبية التي يقدمها المستوصف، إذ يزوره بمعدل شهري 150- 200 مريض.
يعوّل محافظ حمص طلال البرازي على مشروع إعادة إعمار بابا عمرو، مؤكداً في حديث إلى «الأخبار» أنّ 420 برجاً سكنياً، بمعدل 12 طبقة، تشمل مناطق بابا عمرو وجوبر والسلطانية، تم تخطيطها وتصديق المخطط من وزارة الإسكان. ويشير إلى أنّ المخططات المصادق عليها، أضحت في مراحلها الأخيرة قبل البدء بالتنفيذ. وحول منع الدولة عودة بعض سكان بابا عمرو، أكد البرازي أن الحكومة منعت عودة الناس إلى منازلهم في حال وصول نسبة دمارها إلى 80%، إذ إن «عودتهم في هذه الحال ستشكل عبئاً، في ظل عدم توفر خدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي». وحول جدار بابا عمرو الاسمنتي «العنصري»، برّر البرازي بناء الجدار بـ«أسباب أمنية» لا أكثر.