تونس | ساعات قليلة بعد المجزرة التي ارتكبها إرهابي بدماء باردة عند أحد شواطئ محافظة سوسة السياحية (120 كلم جنوبي العاصمة تونس)، بدأت المدينة تلملم الجراح لتستعيد بعضاً من حياتها، في مشهد كأنه يعكس رسالة قوية من التونسيين والسياح على حد سواء: إرهابكم لن يقتل حب الحياة فينا.

غمرت صور البحر والشاطئ والمصطافين مواقع التواصل الاجتماعي، كما تتالت الأخبار عن سياح رفضوا المغادرة وقطع إجازتهم في تونس برغم العملية التي أدت إلى مقتل 39 وجرح 40، أغلبهم من البريطانيين. الضربة موجعة، والصدمة عنيفة، والإرهاب استهدف مرّة جديدة الاقتصاد، لكن لا خيارات أمام تونس سوى الاستمرار في "حربها على الإرهاب" كما يكرر مسؤولو الحكومة وقادتها.

ساعات قليلة بعد وقوع العملية الإرهابية، انهالت الأخبار عن طوابير السياح العائدين إلى بلدانهم، وأن وكالات السفر الأوروبية أرسلت طائرات لإعادة مواطنيها ــ المقدرين بالآلاف ــ إلى بلادهم، في وقت تحدث فيه آمر مطار النفيضة (90 كلم عن العاصمة)، محمد وليد بن غشام، لـ"الأخبار" عن أن أربع طائرات بريطانية عادت أدراجها يوم السبت خالية من الركاب بعد رفض أولئك العودة وقطع إجازاتهم. وفيما أشار إلى أن الطائرات الأربع تتسع لأكثر من ألف راكب، لفت الى أنّ ما يقارب السبع طائرات حطت لإجلاء أكثر من ألفي سائح أغلبهم من البريطانيين.

أعلنت الحكومة قرارات
عدة، من بينها إغلاق مساجد ودعوة «الاحتياط»

الحركة في كل من مطار المنستير (محافظة سياحية محاذية لسوسة) ومطار النفيضة، لا تزال على أشدها بين ذهاب وإياب، لكن الثابت بحسب مصادر من المطارين أنّ المغادرين أكثر من الآتين.
وبرغم محاولات استيعاب الصدمة، وتشبث بعض السياح بالمجيء أو بالبقاء، ووعود شعبية جزائرية (أطلقت وسائل التواصل الاجتماعي) بالمجيء بكثافة بعد شهر رمضان، إلا أنّ الأكيد أن هذه الضربة ستكون قاصمة للسياحة في البلاد. ومن الأدلة على ذلك، تعالي أصوات إثر ما حصل تدعو إلى العمل على تنمية قطاعات أخرى وإحيائها، على غرار قطاع الفلاحة (الزراعة)، وذلك بهدف تجاوز خسائر القطاع السياحي الهش وحتى لا تتفاقم الصعوبات الاقتصادية التي ترزح تحتها البلاد منذ سنوات.
...رسمياً: دوامة "الإجراءات"
وفي ساعة متأخرة من ليل الجمعة الماضي، أعلن رئيس الحكومة التونسية، الحبيب الصيد، قرارات عدة، منها دعوة "الاحتياط" لتعزيز الوجود العسكري والأمني في المناطق الحساسة خاصة. كما أعلن عدداً من الجبال مناطق عسكرية مغلقة لتسهيل محاصرة العناصر الإرهابية فيها. وقررت الحكومة إغلاق 80 مسجداً، هي "خارج سيطرة الدولة"، بسبب تحريضها على العنف، وهي قائمة لمساجد تم رصدها منذ حكومة المهدي جمعة ولم يتم تفعيل قرار غلقها إلى اليوم.
الصيد أراد أن يكون حازماً هذه المرة، وأعلن أن إغلاق المساجد سيتم في غضون أسبوع واحد. كما أشار إلى الشروع الفوري في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل كل حزب لا يتماشى مع الدستور (في إشارة ضمنية إلى حزب التحرير)، فضلاً عن إعادة النظر في المرسوم المنظم للجمعيات، وخاصة ما يتعلق بالتمويل وإخضاع الجمعيات لرقابة الدولة. ومن المعروف أن مرتكب عملية سوسة شاب عشريني من رواد إحدى هذه الجمعيات الدينية.
كذلك أعلن رئيس الحكومة التونسية تكثيف الحملات والمداهمات لتتبع العناصر المشبوهة والخلايا النائمة بالتنسيق مع النيابة العمومية، ووضع مخطط استثنائي لزيادة تأمين المناطق السياحية والأثرية، ونشر وحدات مسلحة من الأمن السياحي على طول الخط المائي وداخل الفنادق، بعد ثبوت وجود ثغرة أمنية في هذه المناطق، وذلك بداية من شهر تموز (يوليو) المقبل. كما دعت رئاسة الحكومة إلى تنظيم مؤتمر وطني حول الإرهاب في شهر أيلول (سبتمبر).
وفي السياق، انعقد، أمس، مجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، وتم إقرار كل الإجراءات التي أعلنتها الحكومة، مع التوصية والتأكيد على تفعيلها بصفة فورية، فضلاً عن التباحث في قرارات تكميلية، من بينها ما يتعلق بمسائل استغلال المجموعات الإرهابية للفضاء الافتراضي واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، الأمر الذي قد يشير إلى إجراءات قاسية من شأنها المس بالحريات واحترام خصوصية الأفراد، على غرار مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي.
وترافق ذلك مع تنامي البوادر نحو إمكان حلّ "حزب التحرير" الإسلامي، وخاصة مع تعالي أصوات تنادي بذلك منذ انعقاد مؤتمره الأخير الذي رفعت خلاله الراية السوداء (راية العقاب) ورفعت فيه شعارات تطالب بالخلافة الإسلامية. وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس التونسي خلال كلمته عقب العملية، حين أكد "منع رفع أي راية أو علم مخالف للعلم التونسي الرسمي".
وقد تعالت فعلاً آراء تعبّر عن مخاوفها حول واقع الحريات الفردية وسط كل ما يتخذ من إجراءات، من بينها آراء أحزاب "المؤتمر من أجل الجمهورية" (حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي) وحزب "التيار الديموقراطي" (القريب من حزب المؤتمر)، في حين غلبت ضمن المشهد أصوات تدعو إلى اتخاذ كل الإجراءات الأمنية اللازمة بصرف النظر عن الثمن والتضحيات، مبررين ذلك بضرورة وضع حد لعمليات كهذه باتت تمثّل كابوساً يؤرّق التونسي على مدار السنة، وخصوصاً في شهر رمضان الذي صار مرتبطاً بدوره، في ذهن التونسي، بالدماء.




توحيد قوائم المطلوبين بين تونس والجزائر؟

نقلت وكالة «الأناضول»، أمس، عن «مصدر أمني جزائري» قوله إن «قيادات الجيشين الجزائري والتونسي، قررت توحيد قوائم المطلوبين لأجهزة الأمن في البلدين». وقال المصدر إنّ «هذا الإجراء كان ضرورياً، كي يتاح لأجهزة الأمن في البلدين الاستفادة من معلومات تتعلق بهوية المطلوبين، بتهم الإرهاب في الدولتين بسرعة وفعالية».
وتابع قائلاً إنّ «قيادات عسكرية وأمنية جزائرية اتخذت عدة قرارات، أهمها الموافقة على تقديم المعلومات الأمنية البالغة السرية، التي تجمعها أجهزة الأمن الجزائرية، حول نشاط عدة جماعات جهادية لتونس، ومن الجانب الثاني قررت تونس تقديم كل المعلومات الأمنية المتوفرة لديها لأجهزة الأمن الجزائرية».
وقال المصدر «إن التعاون الأمني الوثيق موجود بين الجزائر وتونس، طبقاً لتفاهمات أمنية سابقة، مثل التعاون، وتبادل المعلومات الأمنية السرية حول نشاط الجماعات الإرهابية، عبر لجنة أمنية عسكرية تضم ضباطاً من الجزائر وتونس، إلا أن الإجراء الجديد جعل عملية تبادل المعلومات أكثر سرعة وسهولة».
(الأخبار)