بغداد | يبدو أن مشروع المصالحة الوطنية في العراق سيبقى حبراً على ورق، لعدم وجود تحرك حقيقي من الدولة العراقية نحو معارضيها، على الرغم من الوعود التي أطلقها رئيس الحكومة حيدر العبادي عند تسلمه مهماته، واختيار نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي مسؤولاً عن ملف المصالحة، إذ إن الاختلاف صار واضحاً للعيان بعدم قدرة الحكومة على فتح قنوات اتصال وأخذ تطمينات من قبل معارضيها.


أغلب معارضي الحكومة العراقية موجودون على الأراضي الأردنية والتركية، تحركهم وتدعمهم جهات إقليمية ودول مجاورة للعراق، معظمهم يدعم تنظيم «داعش» ويقاتلون إلى جانبه في محافظتي الأنبار ونينوى. بعض وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة كشفت عن قيام الحكومة بالتحرك لعقد مصالحة حقيقية، إلا أن هذا الأمر ليس موجوداً على أرض الواقع لرفض العديد من المعارضين فتح صفحة جديدة مع الحكومة والعمل على إسقاط العملية السياسية وتغيير الدستور الذي كتب بطريقة سريعة جداً.

رئيس الحكومة يرفض تسليم إياد علاوي
ملف المصالحة
العديد من الجهات الحكومية والمعارضة نفت وجود تحرك خلال الفترة الماضية من قبل الحكومة العراقية بعقد اجتماعات في تركيا والإمارات برعاية السفارة الأميركية في بغداد، لأن ملف المصالحة الوطنية لم يعد يقدم جدوى للمشروع العراقي، بينما يعقد السياسي البارز والممول لمشروع «الإقليم السني» خميس الخنجر بعض المؤتمرات للمعارضة العراقية في تركيا والإمارات للاتفاق على آلية معينة للتعامل مع العراق الجديد.
وتواجه الولايات المتحدة الأميركية ضغطاً كبيراً من حلفائها في دول الخليج من أجل تسوية ملفات السياسيين ورجال الدين «السنة» الذين صدرت بحقهم مذكرات اعتقال، منهم نائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي ووزير المالية السابق رافع العيساوي المسؤول الأول عن «حركة حماس» العراق التي تحالفت مع تنظيم «داعش» قبل سقوط محافظة نينوى، بحجة مشروع المصالحة الوطنية وذلك لتقديم تطمينات بالوقوف بشكل إيجابي في الحرب الحالية مع «داعش» ودعم القوات العراقية. ويقاتل إلى جانب «داعش» أكثر من 20 فصيلاً مسلحاً، أبرزهم «كتائب ثورة العشرين» التابعة لـ«هيئة علماء المسلمين»، ورجال الطريقة «النقشبندية» العائد لحزب البعث و«مجلس ثوار العشائر» بقيادة رعد السليمان، و«الجيش الإسلامي» و«جيش الراشدين» و«جيش المجاهدين» وغيرهم. ويقول المسؤول الأول عن ملف المصالحة الوطنية السابق، عامر الخزاعي لـ«الأخبار»، «طوال السنوات الماضية استطعنا فتح قنوات اتصال مع الفصائل المسلحة، باستثناء تنظيم القاعدة الذي اتخذ من وجود المحتل الأميركي ذريعة لقتل العراقيين وحزب البعث الذي اجتثه الشعب العراقي عبر تصويته على الدستور، والذين تلطخت أياديهم بدماء العراقيين، وألقت جميع الفصائل السلاح ودخلت في العملية السياسية لأنها رفعته بوجه القوات الأميركية».
وبيّن الخزاعي أن «هناك بعض الفصائل المرتبطة بأجندات خارجية التي يترأسها رئيس هيئة علماء المسلمين السابق حارث الضاري وابنه مثنى وغيرهم رفضوا المشاركة في العملية السياسية والاستمرار بنهجهم المعادي للعراق».
ويضيف إن «هناك بعض الشخصيات السياسية تتحدث عن المصالحة الوطنية، وهم ليس لديهم علاقة بذلك، على الرغم من أن المسؤول عنها هو مكتب تابع لرئيس مجلس الوزراء، وهي تستكمل ما انتهينا منه»، لافتاً إلى أن «الوضع العراقي الحالي تغير ويحتاج إلى جهود كبيرة لتحقيق الاستقرار في ملف المصالحة».
وكشفت العديد من المصادر المطلعة على ملف المصالحة لـ«الأخبار»، وجود «خلافات حول مشروع المصالحة الوطنية، فرئاسة الجمهورية تعتبر أنها المشرفة عليه، بينما تشرف عليه حالياً رئاسة الوزراء»، مبينةً أن «رئيس الحكومة حيدر العبادي يرفض إعطاء نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي ملف المصالحة للإشراف عليه بسبب عدم ثقته به». وأضافت إن «هيئة علماء المسلمين تؤكد أن العديد من الجهات الحكومية فتحت اتصالات معها في زمن الحكومة السابقة برئاسة نوري المالكي، لكن جميع المحاولات فشلت لأنها تريد تغيير الدستور. كما أن مجلس ثوار العشائر لا يزال يرفض المصالحة مع حكومة العبادي، على الرغم من الجهود التي بذلت خلال زيارة العبادي للأردن في شهر أكتوبر الماضي».
ويقول عضو لجنة المصالحة الوطنية النيابية، محمد ناجي لـ«الأخبار»، إن «مشروع المصالحة الوطنية انتهى تقريباً، لأن أغلب الفصائل المسلحة أصبحت تحت غطاء تنظيم داعش وتقاتل القوات الأمنية حالياً، فلا يوجد خيار حالياً: إما الوقوف إلى جانب العراق أو مع الإرهاب»، مشدداً على أن «الذين وقفوا إلى جانب العراق هم جزء من العملية السياسية».
ويضيف إن «العراق يحتاج اليوم إلى حوار وطني، لا إلى مصالحة وطنية، فالحوار يكمن في جلوس الكتل السياسية للاتفاق على آليات لتنفيذ قانون العفو العام والحرس الوطني».
وحول دور نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي، في المصالحة الوطنية، قال عدنان الدنبوس، عضو «القائمة الوطنية» التي يترأسها علاوي، لـ«الأخبار»، إن «علاوي هو القادر من السياسيين على تطبيق المصالحة الوطنية، لأنه يحظى بمقبولية من جميع الأطراف، لكن البعض يحاول إبعاد الملف عنه»، لافتاً إلى أن «هناك بعض السياسيين يعملون مع الحكومة وهم بالأساس معارضون لها، ما يتطلب وضع حد لهذه المشكلة في مشروع المصالحة الوطنية». ويلفت الدنبوس إلى أن «المصالحة الوطنية هي المسؤولة عن وحدة البلد أو تقسيمه، لذلك نحتاج إلى قرارات جريئة جداً؛ منها تفعيل قانون العفو العام وتعويض المتضررين وإعادة النازحين والابتعاد عن الخطب السياسية التي تعكر الأجواء».