برغم الحضور المباشر للأجهزة الأمنية الإسرائيلية والتنسيق العالي المستوى مع أجهزة أمن السلطة، ينجح المقاومون في الضفة المحتلة، بتذكير العدو من حين إلى آخر، بأن الشعب الفلسطيني لن يُسلِّم بالواقع القائم أياً كانت الضغوط المحلية والإقليمية. وتؤكد هذه العمليات وما سبقها، وأيضاً ما قد يأتي، حجم الإصرار الذي يتمتع به هذا الشعب في مواصلة نهج المقاومة. لكن ما يعزز الدلالة أنها تأتي بالتزامن مع سياقات سياسية إقليمية ودولية، يفترض ابتداءً أنها تبعث على مزيد من الإحباط الذي يلقي ثقله على الواقع الفلسطيني، ومع ذلك، توجه هذه العمليات رسالة مدوية إلى قادة العدو، بأن الشعب الفلسطيني سيستنفد كل الوسائل من أجل ألا يتمتع المحتل بالأمن التام.


على كل، ينبغي الإقرار بأن مستوى ما نُفِّذ حتى الآن هو أقرب إلى العمليات الموسمية والتذكيرية. فيما يفترض أن الضفة هي الساحة الأساسية لنشاط المقاومة الفلسطينية. وفي المقابل، ينبغي الإقرار بأن محدودية العمليات، في الضفة، تشير من ضمن أمور أخرى، إلى فعالية الأجهزة الإسرائيلية والفلسطينية الرسمية، التي تعمل على كبح المقاومة ومنعها.
وأياً كانت الإجراءات والمسارات السياسية الإقليمية والدولية، تبقى الضفة ــ ومعها القدس ــ في مقدمة اهتمامات كل من العدو والمقاومة. فمن جهة يراها العدو الامتداد الطبيعي للكيان الإسرائيلي الذي حالت تطورات سياسية وأمنية واستيطانية مع إعلان الدولة أن تكون (الضفة) ضمن نطاق حدود «الدولة»، ولكنه يحاول التعويض عن ذلك عبر سياسة توسعية استيطانية تجري تحت غطاء مفاوضات تسوية تمنح إسرائيل المزيد من الوقت والمشروعية التي تهدف إلى تكريس الأمر الواقع، وتحول أيضاً دون قيام دولة فلسطينية.
في المقابل، تبقى الضفة على مهداف المقاومة، لكونها مع ضمن أمور أخرى، تشكل الساحة الجغرافية الأوسع نسبة إلى قطاع غزة، وتحتوي على مئات آلاف المستوطنين. إضافة إلى كونها تخضع للاحتلال الإسرائيلي المباشر.
بالتزامن، تنطوي عمليات الضفة والقدس، على رسالة مفادها أنهما تبقيان الساحة الإشكالية في سياق المفاوضات غير المباشرة التي تهدف للتوصل إلى حالة من التهدئة مع غزة. وإن أي معادلة مفترضة مع القطاع، لن تمنح العدو تهدئة موازية في ساحات أخرى تبقى لمجموعاتها هامشها المستقل في التحرك. وبرغم أن العمليات في الضفة والقدس لم ترتق إلى مستوى تحولها إلى عبء على المستويين الأمني والسياسي في تل أبيب، فإنها تنذر بإمكانية إسقاط المعادلة التي يحاول العدو فرضها، في حال توافُر الإرادة والقدرة والاحتضان الشعبي اللازم. وتقضي المعادلة الإسرائيلية أن بالإمكان تكريس الأمر الواقع في الضفة، وصد كل المحاولات السياسية لتحريك جاد لعملية التسوية، من دون دفع أي أثمان سياسية دولية أو حتى أمنية. وعلى ذلك، يفترض أن تخدم هذه العمليات المساحة المشتركة بين الفصائل الفلسطينية المتعارضة على مستوى الخيارات الاستراتيجية، إذ إنه في الوقت الذي تأتي فيه هذه العمليات ترجمة وامتداداً لخيار المقاومة، فإنها تشكل مؤشر ضغط على الواقع الإسرائيلي يمكن مَن توافرت لديه الإرادة البناء عليه، من أجل تعزيز خياراته السياسية التي تتعارض مع المقاومة وخيارها.
مع ذلك، أثبتت التجربة أن السلطة في رام الله باتت أسيرة خيارها الذي تحول إلى قيد على هامش حركتها في مواجهة الاحتلال. فبدلاً من أن تكون المفاوضات وسيلة مفترضة لهدف «التحرير» وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية، تحولت إلى غطاء لاستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني، بل إلى تبادل الأدوار بين السلطة وإسرائيل.
وفي ظل الحملة الدعائية التي تشنها إسرائيل، وامتناع الدول الكبرى عن ممارسة ضغوط جدية عليها، يلعب رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، دور من يستنفد جهوده للتوصل إلى اتفاق تسوية، لكن مشكلته أن الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) لا يلبي الشروط الإسرائيلية. وهي ليست أكثر من «الاعتراف بيهودية إسرائيل مقابل اعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية، وبترتيبات أمنية وسياسية تطمئن إسرائيل»، وهكذا بات عباس هو من يرفض المفاوضات ويصر على نهج التحريض ضد إسرائيل، في الوقت الذي تواصل فيه أجهزته الأمنية مهماتها في منع عمليات المقاومة ضد المستوطنين وجنود الاحتلال!
على خط مواز، لم يفوت نتنياهو فرصة استغلال آخر عمليتين (إطلاق نار قرب مستوطنة في رام الله، وطعن في القدس)، من أجل توظيف هذه العمليات ــ الفردية أو المنظمة ــ في خدمة خياره السياسي وتوجيه رسائل في أكثر من اتجاه؛ إذ قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي العمليتين الأخيرتين على أنهما مؤشر على نجاح أجهزته الأمنية في إحباط أغلب المحاولات المستمرة التي تهدف إلى توجيه ضربات للمستوطنين والجنود.
أيضاً، استغل نتنياهو هذا المستجد الأمني من أجل توجيه انتقادات ضد اقتراح المفاوضات الذي يروج له وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، فأكد «ضرورة إحباط هذه العمليات الإرهابية الموجودة طول الوقت، ولكن المقترحات الدولية التي تطرح علينا، وبالفعل يحاولون فرضها علينا، لا تتطرق بصورة حقيقية إلى الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل». واتهم نتنياهو هذه الجهات بأنها «تحاول ببساطة أن تدفعنا إلى حدود غير قابلة للدفاع وهي تتجاهل تجاهلاً تاماً ماذا سيكون في الطرف الآخر من الحدود... هذا الأمر بالطبع سيؤدي إلى النتائج التي نراها ونعيشها حالياً على الأرض في قطاع غزة وجنوب لبنان، لذا لن نسمح بحدوث ذلك مرة أخرى». كذلك كرر موقفه بأن «الطريق للتوصل إلى تسويات يمر بالتفاوض المباشر فقط، وسنرفض المحاولات الرامية لفرض إملاءات دولية علينا، لأن السلام سيتحقق بالتفاوض المباشر الذي سيأخذ في الاعتبار مصالحنا الوطنية وفي مقدمتها الأمن».
وكان الشاب ياسر طروة (18 عاماً) من بلدة الخليل، جنوبي الضفة، قد أقدم أمس على طعن شرطي إسرائيلي في القدس، فيما تلقى نحو ست رصاصات أصيب إثرها بجراح خطرة، وقد تضاربت الأنباء بشأن تفاصيل العملية التي نفذها، وأيضاً حالته الصحية. يأتي ذلك بعد يوم من عملية إطلاق نار على مجموعة مستوطنين قرب رام الله (راجع عدد أول من أمس).