استعاد الجيش السوري وأهالي محافظة القنيطرة زمام المبادرة في اليومين الماضيين، بعد سلسلة هجمات على بلدات حضر وجبا وخان أرنبة، شنّتها المجموعات المدعومة من إسرائيل و«غرفة العمليات الأردنية (الموك)» في عمّان.


الهجوم الفاشل على مطار الثعلة غرب مدينة السويداء الأسبوع الماضي، جاء بنتائج عكسية على محور إسرائيل والدول الداعمة للإرهابيين وبعض اللبنانيين، ميدانياً وسياسياً وأمنياً، ما اضطر الجماعات الإرهابية ومشغّليها إلى نقل المعركة إلى القنيطرة، وتسريع وتيرة العمل على غرار نموذج هجمات محافظة إدلب، ولا سيّما بعد الإعلان أمس عن تشكيل «جيش الفتح » في الجنوب السوري، والذي يعدّ «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة» و«حركة أحرار الشام» أبرز فصائله.
وبدل أن تنفكّ محافظة السويداء عن جسم الدولة السورية إثر الهجوم العنيف ضدّ مطار الثعلة، (بالتزامن مع تحرّك خلايا نائمة وشخصيات مرتبطة بالمعارضة والنائب وليد جنبلاط في داخل السويداء)، أيقظ الهجوم حسّاً عالياً للقتال لدى جزء كبير من أبناء المحافظة تحت راية الجيش السوري والقوى المتحالفة معه.
ولاحظ مشغّلو الإرهابيين أن استمرار الهجمات ضدّ المطار وتهديد مدينة السويداء، يزيد التفاف أبناء المحافظة حول الجيش والدولة، ما يُسقط الغاية السياسية من الهجوم على المطار بإخراج السويداء من حضن الدولة، ويعرقل الغاية الميدانية بإسقاط المطار وفتح طريق من دون عوائق في شرق درعا نحو الغوطة الشرقية والجنوبية لدمشق، أي إلى المدينة.
نقل المعركة إلى القنيطرة، وخصوصاً ضدّ بلدة حضر المقابلة لبلدة مجدل شمس المحتلة على سفح جبل الشيخ، له استهدافات عدّة. ميدانياً، سيطرة الجماعات المسلحة على مواقع «اللواء 90» في الجيش في منطقة التلول الحمر شمال شرق البلدة، تسمح للإرهابيين بوصل طريق بلدة جباثا جنوب غرب حضر (الملاصقة للشريط العازل مع الجولان المحتل، وهي قاعدة لوجستية وأمنية لتعاون الإرهابيين مع إسرائيل) ببلدة بيت جن، شمال شرق حضر على سفح جبل الشيخ، التي بدورها باتت إسرائيل تملك عِصمة الجماعات الإرهابية فيها.


حاول جنبلاط إقناع حضر بطرد الجيش وتسلّم التلول شريطة ترك طريق للمسلحين

وبالتالي، تعزيز طريق الإمداد والتهريب من جباثا وبيت جن إلى مخيّم خان الشيح جنوب مدينة دمشق في سياق فتح جبهة جديدة جنوب العاصمة، عبر بلدات بيتيما وبيت سابر ومغر المير شمال أوتوستراد القنيطرة ــ دمشق (السلام). وبحسب المصادر الميدانية، فإن استمرار سيطرة الإرهابيين على التلول الحمر «يفتح خطّ الإمداد الأردني والإسرائيلي من حدود الجولان إلى ريف دمشق الغربي»، وبذلك تكون الجماعات الإرهابية قد حقّقت عملية التفاف على العملية العسكرية التي أجرتها القوات السورية وحزب الله في شباط الماضي وسيطرتها على مثلّث ريف دمشق ــ القنيطرة ــ درعا. وتتكامل خطوة الجماعات المسلّحة الأخيرة، مع مساعيها أخيراً للسيطرة على «اللواء 68» على أوتوستراد «السلام» في خان الشيح، وبلدة سعسع وقطعها العسكرية، انطلاقاً من الشرق من مزارع حسنو والخزرجية. وتأتي عملية الالتفاف بعد عجز الجماعات الإرهابية طوال الأشهر الماضية عن اختراق جبهات الصنمين والفقيع والدلي والحجّة ودير ماكر في ريف درعا الغربي، أي جنوب دمشق أيضاً.
الهجوم على حضر ترافق مع هجوم عنيف على التلال المحيطة ببلدتي خان أرنبة وجبا اللتين تقعان مع مدينة البعث تحت سيطرة القوات السورية. وقوبل الهجوم العنيف للمسلحين المدعومين من إسرائيل بمواجهة شرسة من مواقع الجيش، مع قصفٍ عنيف على البلدات لترويع المدنيين والأهالي. وبحسب أكثر من مصدر ميداني من جبا وخان أرنبة، فإن «اللجان الشعبية والأهالي في جبا وخان أرنبة قاتلوا بشراسة إلى جانب قوات الجيش»، علماً بأن عدداً كبيراً من أهالي خان أرنبة كان قد أجرى مصالحة مع الدولة قبل عامٍ ونصف عام، والتحق عددٌ كبير من مسلحي البلدة سابقاً بـ«قوات الدفاع الوطني».
صمود أهالي حضر وجبا وخان أرنبة أمام الهجمات منع الإرهابيين من تحقيق أي نصرٍ معنوي يعكس نتائج هزيمة مطار الثعلة، على الرغم من السيطرة على التلال الحمر، إلّا أن محاولات استعادة التلول لم تتوقّف منذ ثلاثة أيام بعد وصول تعزيزات من قوات الجيش السوري وأبناء بلدة حرفا لفتح طريق حضر ــ الأوتوستراد المقطوعة بسب أعمال القنص وقذائف الهاون.
وأشارت مصادر من داخل حضر إلى أن «موقع المرصد الشرقي الإسرائيلي فوق جبل الشيخ فتح نيران رشاشاته على أكثر من مجموعة من أهالي ومشايخ حضر عندما حاولوا الالتفاف عبر سفح الجبل على آليات لجبهة النصرة تصبّ نيرانها على البلدة». وأكّدت المصادر أن «الإرهابيين يتنقلون بحرية تحت أعين المرصد الإسرائيلي بالآليات الثقيلة، بينما يقوم المرصد بإطلاق النار نحونا عندما نقترب من السفح».
ويفتح استمرار سيطرة الإرهابيين على التلول الحمر، الطريق من جباثا إلى بيت جن ومزرعتها، وتالياً إلى بلدة شبعا اللبنانية على السفح الغربي لجبل الشيخ. إلّا أن موقع تلّة «حربون» التابع للجيش السوري شمال غرب بلدة عرنة في جبل الشيخ، يشكّل مانعاً أساسياً في تهديد الطريق نحو شبعا، التي لا تزال أعمال التهريب منها وإليها جارية على قدمٍ وساق بفعل تعدّد الممرات والمسارات الوعرة في جبل الشيخ، وكلّها تمرّ تحت أعين المراصد الإسرائيلية في الجبل، على الرغم من تموضعات الجيش اللبناني وإغلاقه العديد من المنافذ في الجبل إلى شبعا. وتقول مصادر ميدانية معنية إن «وجهة الجماعات المسلحة المقبلة قد تكون الهجوم على تلّة حربون لفتح الطريق نهائياً نحو شبعا وحاصبيا، وتالياً نحو الجنوب اللبناني لقتال المقاومة من الخلف، بالنيابة عن إسرائيل».
ويكشف السلوك الإسرائيلي الميداني بتوجيه الجماعات الإرهابية نحو حضر، جزءاً من المخطّط الإسرائيلي المعدّ للجنوب السوري، والغلاف الجغرافي لأراضي الجولان السوري المحتل، بدءاً من قرية الكويّا في وادي اليرموك، جنوب غرب درعا وجنوب شرق الجولان المحتل. إذ تشكّل حضر العائق الوحيد أمام قيام حزام أمني من الجماعات الإرهابية على طول الحدود مع الجولان المحتل، التي تقدّم لها إسرائيل الدعم الطبي واللوجستي والاستخباري، في مقابل الادعاءات عن نيّة إسرائيل حماية أهالي حضر ذات الغالبية الدرزية، عبر استغلال حماسة أهالي قرى الكرمل والجليل والجولان المحتل لمساعدة أقربائهم من الدروز في حضر والسويداء.
وتتناسب الدعوات التي يطلقها عددٌ من المقرّبين من دوائر القرار الإسرائيلية كالنائب في الكنيست أيوب القرا وحمد عمّار وشيخ عقل الموحّدين الدروز في فلسطين موفّق طريف، مع حملات التهويل التي بثّها الإعلام الإسرائيلي في الأسابيع الماضية عن احتمالات حصول تهجير كبير للدروز من قراهم، إذ أكّدت مصادر لـ«الأخبار» من داخل الجولان المحتل أمس، أن «طريف الذي جال على الحدود بدعوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، طرح أمام فاعليات من الجولان أن يترك أهالي حضر بلدتهم ويتمّ استقبالهم في قرى الجولان، ومن يريد أن يبقى هناك ويوالي النظام السوري فليتحمل المسؤولية». وبالتوازي مع طرح طريف، كلّف النائب وليد جنبلاط الشيخ اللبناني محمد الدبس الاتصال بمشايخ حضر لإقناعهم بطرد قوات الجيش السوري من البلدة، وتسلم التلول الحمر من «النصرة»، شريطة ترك الطريق مفتوحة أمام المسلحين من وإلى بيت جن، في طرح مشابه لما طرحه جنبلاط قبل ثلاث سنوات على الأهالي. فما كان من أهالي حضر إلّا الرفض، وأصدرت فاعليات البلدة ومشايخها بياناً أمس، أكدوا فيه «أننا حددنا مسارنا إلى جانب الوطن والجيش والرئيس السوري»، مشيرين إلى أنه «نقول لكلّ أشكال التعامل مع أعدائنا وخاصة ما يصرّح به بعض المغررين بهم من لبنان وغيرها، إننا جزء أساس من المكون الوطني السوري وليس المكون الطائفي».