كان باب بيتنا يطرق بقوة، كان أبي ممدّداً يلفّ أوراق التّبغ على طرّاحة زرقاء مطرّزة بخيوطٍ ذهبيّة في طرف غرفة الجلوس. أتذكّر أن جدّتي لفظت آخر أنفاسها على تلك الطّراحة، وما زال أبي يصفن صفنةً طويلة كلّما جلس عليها. كانت جدّتي حنونةً جدّاً. كنّا نزورها كلّ صيف في بيتها في النّاصرة وفي الأعياد والمناسبات. اما هي فكانت تزورنا في حيفا مرّة كل شهر وتحضر لنا الكنافة والمكسّرات. وليلاً كانت الجدة تخبرنا قصصاً من طفولتها، ثم تقبّلنا وتغطينا لننام. كانت جدّتي فلاحةً عصاميّة.


لم تترك أرضها حين توفيّ زوجها، فتك المرض بها وهي تزرع وتحصد وتتفيّأ ظلال الأرض موسماً تلو آخر، وقضت آخر لحظاتها توصينا بالأرض والدّار.
وكانت أمّي في ذاك الوقت من ذاك النّهار، تغلي إبريقاً من الشّاي الأخضر وتلاحقنا أنا وأختي بحثاً عن خصلات الشّاي التّي كنّا نخبئها لنغليها ونسكبها في فنجانينا البلاستيكيّين مدّعيتان أننا أميرتان بريطانيّتان في إحدى حفلات الشّاي اللندنيّة التّي كنّا نسمع عنها.
فجأة سمعنا طرقاً عنيفاً على الباب. كان الطّرق يتزايد بطريقةٍ جنونيّة ما أيقظ والدي من صفنته الاعتيادية فوق الطراحة. نهض ليفتح الباب على عجل، كان أبو جلال المؤذّن وصديق والدي يبتلع عرقه لاهثاً، وعبثاً يحاول التقاط أنفاسه. وقبل أن ينبس ببنت شفة، التقط والدي كتفه، مغلقاً بيده الأخرى باب الدّار عليهما وهو ينظر إلينا مذهولين. تحدّثا لدقيقةٍ أو دقيقتين في الخارج وصوت أبي، جلال، يتعالى حيناً ويخفت حيناً آخر. ثمّ دخل أبي وقالها مرّة واحدةً وهو ينظر إلى الأرض: "لقد أمهلونا حتّى الليل لنترك حيفا، سأرسلكم مع مجموعٍة من الأهالي غداً إلى الشّمال، وسأبقى أنا هنا إلى أن يفرجها الله". لم يكن كلام والدي قابلاً للنقاش، ورغم أنّنا كنّا نعيش بالفعل الحصار الإسرائيليّ على حيفا لأكثر من شهر، لكنّ كلام أبي كان كالخنجر الذي غرز في صدر أحلامنا ورجاءاتنا.
هرعت أنا وأختي إلى غرفة أخي اسماعيل الذّي كان يكبرنا بالعمر قليلاً وأخبرناه بما حدث، احتدّ اسماعيل وتمتم بغضب: "عملوها الكلاب، دخلوا حيفا"، وخرج من غرفته إلى غرفة الجلوس حيث والدي يسند رأسه إلى أحد جدران المنزل، وأمّي تبكي عند عبائته وصرخ على مسمعهما: "مش ح تبقى لحالك يابا يا منفلّ سوا يا منموت سوا"، وخرج من البيت مسرعاً لا يردعه نداء أمّي وصراخها.
السّاعتّان اللاحقتان، كانتا الحكاية كلّها. دخلتُ غرفتي، وقفت في وسطها وهي تدور والعالم يدور من حولي، شنطةٌ صغيرةٌ كانت في يدي لم تكن تتّسع لكلّ ألعابي، كان عليّ الاختيار بينها. وكنت أعلم أنّني سأختار بين ذكرياتي وأحلامي وطموحاتي، بين كلّ ما كنت عليه وما سأكونه يوماً، بين أوّل خطوةٍ وأول لعبةٍ وأوّل ضحكةٍ وأوّل دمعة، بين فستاني الزهريّ وبين فستان العيد الماضي الذّي اجتمعنا فيه في باحتنا، وقجّة العيديّة وصندوق القضامة وعلب هدايا عيد ميلادي، كان عليّ أن أختار بين حياتي وحياتي... وكان عليّ أن أتخلّى عن حياتي.
في خضمّ ضجّة تقلّب الأفكار والمواجع، لحظةٌ لا أجيد سردها ولا أتقن صياغتها، كل خيوط السّرد التّي أمسكتها بين يدي يوماً فرطت ضاعت تبخرّت، كلّ تصوراتي عن يومٍ مظلمٍ يائس كانت في أن أكسر إحدى ألعابي أو شيئاً من كاسات أمي أو أتلف بعضاً من أزهار الباحة فتغضب عليّ.
كيف أمكن لطفلةٍ لم تبلغ السبع سنوات أن تعلم أنّ في الدّنيا شيئاً أكثر شرّاً من "أبو كيس" الذّي كانت ترعبنا أمّهاتنا به؟ أن تحسب أن في العمر لحظات كفيلة بتدميره، بأن يتوقّف عندها؟ في تلك اللحظة كان أهالي الحيّ يحملون جثث الشباب والأطفال الذّين وقفوا في وجه الدّبابات الإسرائيليّة على حدود حيفا ورموها بالحجارة، فأردتهم بالرصّاص. للحظةٍ اختلطت مناجاة أمّي بنداءات التّوحيد والتّهليل في الخارج، فهرعت إلى الباب وقلب الأمّ دليلها، وبعينين واسعتين لا ترمشان وفم مفتوح، استقبلت جسد أخي اسماعيل معفّراً بالدّم والدّمع والتّراب، لم أكن أستوعب أنّني قد مُنِحتُ بضع ساعاتٍ لأودّع بيتي... وأخي، لم يكن شيءٌ ليجعلني أتحمّل ذلك سوى صلابة أبي في ذلك الموقف ينفض الدّمع من عينيه وينتشلنا من فوق جثة أخي، ثمّ يضع في أيدينا الأكياس والحقائب ويدفعنا للرّحيل. كان في كلّ مرّة يرفعنا عن الأرض نسقط ثانيةً وثالثةً وعاشرةً إلى أن خطف شباب الحيّ جسد أخي من حضن أمي ومضوا محتشدين لتشييعه ودفنه، أمسك أبي أمّي من كتفها وهزّها محاولاً إيقاظها: "إسمعي، ما معناش وقت، لازم تفلي انت والبنات، ما بديش اخسركو انتو كمان".
وقفنا على الباب نتهيّأ للرحيل و دموع أبي، كانت أعزّ من كلّ ما فقدت، نظرات أبي وهو يتأملنا كأنّه يختزن في قلبه صورنا للأبد، كانت تقتلني ألف مرّة، قبلت أمّي جبينه وقبّل يديها ووجناتنا أنا وأختي ووقف على الباب ملوّحاً.
مشيت والعالم يهوي في عيني، أرفع رأسي للسماء للصنوبر للزيتون لقرميد بيتنا وشباك المدرسة للطرقات، للبحر... لقد كان البحر في داخلي يقتلني يغرقني ثم يعيدني للحياة في الرمق الأخير، ثم يغرقني من جديد. كانت جدّتي تموت مرة أخرى بل ألف مرّة وكانت قطعةٌ من السّماء فوق حيفا تهبط على الأرض رويداً رويداً مستعدةً لخنقنا، جميعاً. صرخ والدي فقطع حبل الألم في داخلي، أقفل باب البيت وركض نحونا مسرعاً. لما وصل إلي، وضع في عنقي سلسلةً ذهبيّة، علّق فيها مفتاح الدّار، وقال لي: "يمكن ما كون لمّا ترجعوا، بس ح ترجعوا" وحيفا... من هنا بدأت.
يُتبع...