تفوح رائحة اللحمة المشوية مختلطة مع رائحة الفتوش المنعشة و"الطبيخ" على أنواعه. لا تقرب المخيّم وقت الظهر وما بعده، هكذا قال لي أحد الأصدقاء في لحظةٍ "سحورٍ" رمضانية البارحة. "معلمي ما تفوت عالمخيم قبل وقت الفطور، يا زلمة بتصير روحك توجعك، مش من الجوع، بس من الرغبة، بتحس بدك تفوت عند ناس ما بتعرفهن وتقولهن طعموني، مشان الله طعموني".


ضحكتُ كثيراً للفكرة، كيف أن تطرق باب بيتٍ لا تعرفه كي تطلب الأكل. لطالما فعل الفدائيون ذلك في السابق، كان أهل المخيمات يتباهون بأنهم أفطروا فدائياً هذا اليوم، كانت تلك من سمات المخيم وأهله، كان هناك سباقٌ كي تحضر الأطباق إلى مكاتب التنظيمات التي كانت –ولا تشبه اليوم البتة- مكاناً حقيقياً للنضال والثورة والتجمّع بهدف التحرر والتحرير.
كنت طفلاً صغيراً، كنت أعشق الصيام لأجل تلك اللحظة التي أذهب فيها مع والدي أو والدتي كي "نفطر" مع "ألرفاق"، كان الرفاق رغم كونهم "يساريين" يصومون بكل منطقية، كان الرفاق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يصومون رمضان، رغم أن بعضهم كان يشرب الكحول خارج شهر الصيام. كان منطق الجبهة آنذاك دقيقاً وواضحاً: نحنُ لا نفرضُ على أحدٍ شيئاً، من يريد أن يكون مؤمناً متديناً فلا مانع لدينا، ومن يريد أن يكون "ملحداً" فليفعل، لكن لا تفرضوا على أحدٍ شيئاً، وبنفس الوقت لا تتصرفوا "بصبيانية ثورية". لم أكن أفهم ماذا تعني تلك الكلمة التي قرأتها في البيان الداخلي الذي وزّع قبل شهر رمضان، وعلّق على لوحة الحائط، كان الختم يوحي بقدومه من مكتب الحكيم (أي جورج حبش) "أبو لميس". نجلس مع الرفاق لتحضير الطعام، أذكر كان في المكان رفيقٌ إيراني من حزب توده، كان يجيد طبخ أطباقٍ لم نكن قد رأيناها من قبل، لا أنساه أبداً، لأنه كان بعد انتهاء الفطور، يخلو إلى نفسه، يغلق باب غرفته عليه، ويأخذ بالبكاء. لم أكن أعرف أنه يبكي، لكن أحد الرفاق أخبر والدي بالأمر وأنا كنتُ هناك. كان يبكي كل شيء، لم أفهم فيما بكائه، لكني أظن أنه كان يبكي كل شيء. هذا الرفيق الذي كان يبكي كل رمضان، لم يطق الشوق كثيراً، قرر في يومٍ ما أن يعود إلى بلاده، سألته وكنت قد بدأت أصبح شاباً، هل سيحدث لك مكروه إذا ما وصلت لإيران؟ ابتسم لي، وقال بلهجةٍ فلسطينية خفيفة: "أنا بروح لهونيك، شو ما بيكون هونيك أحسن من هون، هون أنا لحالي".
عاد الرفيق الإيراني الذي لا أذكر إسمه اليوم، كل ما أذكره أننا كنا نناديه أبو ميلاد. في رمضان كانت الأطباق كثيرة للغاية، شهيةً للغاية، أطباق ٌ كثيرة، ولكن أبرز ما كان هناك كان "الحلو"، فقد كان الرفاق يتفنون في إحضار الحلو بعد آذان الفطور، في تلك الأشهر الرمضانية حصّلت جميع أنواع السوس في أسناني، كنت ألتهم الحلو وأنسى نفسي أحياناً.
كان رمضانُ يجعل المخّيم مدينةً من ضوء، في الأيام العادية، كان الناس ينامون عند الثانية عشرة ليلاً في أقصى الأحوال، ويبقى البعض حراساً أو ساهرين، أما في رمضان، يجلس الكل ينتظرون أشياءَ كثيرة، لم يكن زخم الإسلام السياسي قد تصاعد في تلك الفترة من الزمن، لذلك لم تكن الجوامع إلا أماكن للصلاة والعبادة، كان أغلب الناس يذهبون لصلاة التروايح ثم يعودون لمنازلهم كي يجلسوا مع أطفالهم أو أصحابهم وتكثر في تلك اللحظات جلسات السمر التي تطول حتى السحور الذي يجمع العائلات التي كانت بمعظمها كبيرةً آنذاك. لم تكن هناك محلات مناقيشٍ كثيرة كما هي معروفة اليوم، كان هناك محلان فحسب للمناقيش في كل المخيّم واحدٌ في أوله، وثانٍ في آخره. لم يكن الناس بحاجة لأكثر من ذلك، لأن النساء كن يصنعن مناقيشهن في المنزل، يخبزنها في "فرنيةٍ" منزلية خاصة. كانت المناقيش تمتلك رائحةً زكيةً مدهشة، كيف يمكن نسيان تلك اللحظات التي "تحرق" شفاهك "منقوشة" جبنٍ ملتهبة؟
كان رمضان مختلفاً جداً تلك الأيام، كانت المخيمات صورةً حقيقية عن المجتمع الفلسطيني المقاوم، الذي يريد العودة إلى بلاده، اليوم، وبعد سنين طوال من تفريغ المخيم (كما الشعب الفلسطيني) من كل معانيه، بات كل منزلٍ منعزلاً عن أخيه، بات مجرد طرق باب كي تطلب طعاماً معناه توقع أنك "شحاذ" لا أكثر ولا أقل!